غياب اعتراض الحركة الإسلامية على مشاورات الخماسية، على عكس مشاورات المنامة….هذا يعني أنها صُممت على مقاسها

أواب عزام البوشي

في مفارقة لافتة، التزمت الحركة الإسلامية في السودان الصمت المطبق تجاه مشاورات الآلية الخماسية التي انطلقت في أديس أبابا، رغم أنها كانت ولا تزال المُعترض الرئيسي لأي مفاوضات أو مساعٍ للسلام في البلاد.

لم تكن الحركة الإسلامية في أي وقت مضى بعيدة عن معركة إفشال المبادرات السياسية. فمن مفاوضات جدة إلى مشاورات الرباعية والمنامة، كان الإسلاميون في طليعة المُحرضين عليها، ووصفها بأنها “مؤامرة ضد السودان”، وسعوا بكل قوة لإفراغها من محتواها وإفشالها، محذّرين السودانيين من الانزلاق وراء ما أسموه “أجندات خارجية” تهدف إلى تقويض سيادة الدولة وتصفية قضايا الأمة.

لكن هذه المرة، وبشكل غير مسبوق، لم نسمع أي نقد أو تحريض من قيادات الحركة الإسلامية ضد مشاورات الآلية الخماسية. فلماذا هذا الصمت المفاجئ؟

الإجابة، كما كشفتها المعطيات المتاحة، تكمن في أن الحركة الإسلامية نفسها أصبحت طرفاً حاضراً في هذه المشاورات، عبر عدد من المشاركين المنتمين إليها، إضافة إلى الكتلة الديمقراطية المتحالفة مع حكومة بورسودان ، مما يجعل هذه الآلية مختلفة تماماً عن سابقاتها، حيث صُممت هذه المرة على مقاسهم.

رفض “صمود” وقوى إعلان المبادئ: اكتشاف الهندسة المسبقة :-

لم تقتصر المؤشرات على صمت الحركة الإسلامية فقط، بل كان الموقف الأكثر دلالة هو رفض تحالف “صمود” وقوى إعلان المبادئ المشاركة في مشاورات الآلية الخماسية بأديس أبابا. فقد أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك مقاطعته للمشاورات وقبله رفض الدخول إلى قاعة الاجتماعات في مشاورات يونيو الماضي احتجاجاً على التغييرات التي طرأت.

وجاء قرار الرفض بعد أن اكتشفت “صمود” أن المشاورات الخماسية تم هندستها من قبل، وأصرت الآلية على تصميم العملية السياسية بصورة منفردة. وأكد التحالف أن ما يجري ليس اجتماعات مشتركة حقيقية، بل مشاورات منفصلة مع كل تحالف على حدة، في محاولة لتجاوز “صمود” وفرض أمر واقع. وقد بعث التحالف بخطاب إلى الآلية الخماسية تضمن ملاحظاته حول منهج الوساطة، وطالب بتصميم عملية سياسية يقودها السودانيون.

دولة كانت تسعى لصنع تحالف مدني للبرهان :-

هذه الهندسة المسبقة لم تأتِ من فراغ، بل تأتي في سياق تحركات إقليمية مكثفة. فقد كشفت تقارير متخصصة عن تحول لافت في مقاربة بعض الدول الإقليمية، حيث انتقلت من التركيز على وساطة وقف إطلاق النار إلى الانخراط في رسم ملامح السلطة السياسية لما بعد الحرب. فبحسب ما أوردته تقارير، تقود إحدى الدول اتصالات مكثفة مع شخصيات مدنية سودانية بهدف تشكيل كتلة مدنية تحظى بقبول دولي، تتولى توفير الغطاء السياسي والشرعية الخارجية للسلطة المقبلة.

هذا المشروع يقوم على دعم حكومة مدنية منسجمة مع رؤية البرهان، مع الحفاظ على الدور المحوري للمؤسسة العسكرية كقوة فعلية حاكمة. وهي محاولة للالتفاف على القوى المدنية الرافضة، وخلق واجهة مدنية قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية، مع استمرار الجيش في الإمساك بمراكز القرار الأساسية، في تكرار لسيناريوهات سابقة أثبتت فشلها.

غياب الانتقاد دليل على الخصوصية :-

وهنا تكمن المفارقة الأكبر : بينما رفضت القوى المدنية المستقلة المشاركة لأنها اكتشفت أن المشاورات هُندست مسبقاً، سكتت الحركة الإسلامية ولم تنبس ببنت شفة. هذا الغياب للانتقاد هو الدليل الأكبر على أن هذه المشاورات صُممت خصيصاً لمصلحتها.

فالحركة الإسلامية، التي كانت تُحرض على كل المبادرات السابقة وتصفها بالمؤامرات، لم تجد ما تنتقده هذه المرة لأن الآلية جاءت مهندسة على مقاسها، بحضور حلفاء البرهان من الإسلاميين في قلب المشاورات، ومحاولة إعادة إنتاج المشهد السياسي القديم تحت مسمى جديد. وهذا يؤكد ما ذُكر سابقاً: أن مشاورات الخماسية فخ سياسي، ما لم تُهندس من جديد بإشراك الأطراف الغائبة وكشف التراكمات السرية.

فشل مكشوف وحرب تُطيلها الأجندات الضيقة :-

غياب الأطراف الأساسية كتحالف و”صمود” و “تأسيس” عن طاولة الحوار يجعل هذه المفاوضات مفاوضات دبلوماسية فاشلة، لأن السلام لا يمكن بناؤه على إقصاء الفاعلين الحقيقيين. والحركة الإسلامية، التي جعلت الحرب “غير عود” وأدمنت عليها، لا تريد سلاماً لأن السلام يعني نهايتها السياسية والقانونية، ولهذا سكتت عن “الخماسية” لأنها تخدم مشروعها في البقاء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.