جغرافيا التخوين وصناعة الألقاب.. حين تصبح لغة العزل بديلةً للحلول في السودان
بقلم : النور آدم
في المشهد السياسي والاجتماعي السوداني المعاصر، لم يعد الصراع محصوراً بين مشروعين فكريين أو برنامجي حكم يتنافسان على نيل رضا الشارع، بل انزلق تدريجياً ليتخذ طابعاً حربياً لغوياً تُهندس فيه المفردات بعناية فائقة. فالمشهد هناك يبدو وكأنما وُضع داخل قالب حديدي، حيث يحتاج المواطن فقط لأن يطالب بأبسط مقومات بقائه الإنساني—كالكهرباء التي تنقطع لأيام، أو قطرة الماء الصالح للشرب، أو الحد الأدنى من الأجور لمواجهة التضخم—ليجد نفسه فجأة في قفص الاتهام، متهماً بالخيانة والعمالة والتآمر على سيادة الوطن.
هذه الظاهرة، التي تتكرر بصيغ مختلفة عبر العقود، تعكس مأزقاً هيكلياً في إدارة الدولة. فحين تعجز المنظومات الحاكمة أو المسيطرة عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المعيشية، يصبح “التخوين” هو خط الدفاع الأول والأسهل. إنها باختصار عملية قلب للحقائق؛ يتحول فيها المطالب بالحياة الكريمة إلى “عدو داخلي”، بينما يُصوّر الفشل الإداري والفساد المالي على أنهما “دفاع عن الثوابت الوطنية”. هذا الخلط المتعمد بين المطلبي والسياسي لا يستهدف سوى إسقاط المشروعيّة الأخلاقية عن أي احتجاج سلمي، وإلغاء المساحة الفاصلة بين حب الوطن وبين الولاء لسلطة بعينها.
ولم تتوقف هندسة اللغة عند حدود التخوين التقليدي، بل تطورت لتنتج مصطلحات ومفردات ذات حمولة احتقارية عالية، يُراد بها شيطنة كامل المعسكر المدني. ولعل أبرز نموذج معاصر لذلك هو تداول مصطلح “قحاتة”. فهذا اللفظ، المشتق في أصله من اختصار تحالف سياسي (قوى إعلان الحرية والتغيير)، جرى تفريغه عمداً من معناه السياسي، ليُحوّل عبر آلة الإعلام الموجه والخصوم إلى “وصم” جاهز يُطلق بالجملة. الغاية هنا مزدوجة: أولاً، عزل القوى المدنية عن حاضنتها الشعبية عبر إلباسها ثوب المؤامرة، وثانياً، الهروب الجماعي من الاستحقاقات الكبرى التي تطالب بها الثورة—وفي مقدمتها تفكيك دولة التمكين، تحقيق العدالة الانتقالية، وبناء جيش مهني واحد وموحد.
إن خطورة هذا التعميم المخل تكمن في أنه لا يستهدف حزباً بعينه أو كياناً سياسياً محدداً، بل يمتد ليشمل أي صوت ناقد، أو باحث عن الحقيقة، أو مُدافع عن حقوق الإنسان. فحين يُصبح كل من ينادي بشعارات “حرية، سلام، وعدالة” عُرضة لوصمة العمالة، فإن الفضاء العام بأكمله يتعرض لعملية تجريف ممنهجة تقضي على أي أمل في الحوار أو التسوية السياسية العادلة.
إن الخروج من نفق هذه الأزمات المتكاثرة لا يمكن أن يتم عبر إدامة حرب السرديات والتخوين المتبادل. إن الوطن السوداني بحاجة ماسة إلى استعادة العقلانية السياسية، وإلى إيمان حقيقي بأن اختلاف الرؤى لا يعني بالضرورة الخيانة، وبأن اختلاف البرامج لا يلغي حق المواطن في العيش الكريم. وحين تصبح الكلمة الحرة جريمة، والخدمات الأساسية مناً وفضلاً، فإن الأوطان هي وحدها التي تدفع الفادح من أثمان هذا التصدع الداخلي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.