الدولار بـ9 آلاف.. والذهب خلف السور: من يدفع ثمن الإصلاح؟

يوسف عزالدين

أخيرًا فهمنا خطة حكومة بورتسودان العبقرية لإنقاذ الاقتصاد. الخطة بسيطة جدًا:

جَوِّع المواطن، وحاصر الدهّابي، واطبع خطابًا عن العودة إلى الخرطوم كلّفتنا المليارات.

فكي جبريل خرج علينا بتصريحين تاريخيين خلال 48 ساعة، كل واحد منهما يكفي ليكون نكتة الموسم.

التصريح الأول: «العودة إلى الخرطوم كلّفتنا مبالغ طائلة، وهذا سبب انهيار الجنيه». يا سلام!

يعني الجنيه لم ينهَر بسبب الحرب، ولا بسبب توقف المصانع، ولا بسبب طباعة العملة من دون غطاء… انهار لأنهم فكروا في العودة إلى الخرطوم! طيب يا معالي الوزير، ما ترجعوا بورتسودان تاني عشان الجنيه يرجع إلى 600؟

التصريح الثاني أعظم: «سننظم التعدين الأهلي بأسوار وأجهزة إلكترونية».

يا أخي، تخيل! ربع الشعب السوداني يعيش في الخلاء، ويحفر بيديه عشان يطلع جرام ذهب يأكل به أولاده، وتجي أنت تقول ليهو: «حنعمل ليك سور إلكتروني»!

هل الدهّابي ده في مصنع سامسونج؟

ده زول حافي في صحراء أبو حمد!

حكومة بورتسودان تعيش في عالم موازٍ.

الدولار كان بـ6 آلاف قبل شهر، واليوم بـ9 آلاف، وبكرة بـ12 ألفًا، وهم يفتحون مراكز بيع مخفضة، وهي نفس المراكز التي فتحوها في وقت سابق وفشلت.

نفس الكرتونة بتاعة السكر والزيت يصوروها في التلفزيون ويقولوا: «الدولة تحارب الغلاء».

يا جماعة، المواطن ما عايز كرتونة؛ عايز جنيه عنده قيمة.

المهزلة الكبرى أن الدولة تحارب مصدر دخلها الوحيد. الذهب هو الباقي لينا بعد ما المصانع وقفت والصادرات انتهت.

السور ده حيحمي الذهب من مَن؟

من المواطن الجعان؟ أم من المهربين الكبار البتدعمهم نفس الحكومة؟

جبريل إبراهيم يتكلم عن «تنظيم التعدين»، وهو لم يستطع تنظيم سوق واحد في بورتسودان.

كيف ستنظم آلاف المناجم في الصحراء بأجهزة إلكترونية، وأنت ما قادر توفر كهرباء لبورتسودان نفسها؟

المواطن السوداني اليوم بين فكي كماشة:

في الأبيض والخرطوم مسيرات تقتله، وفي بورتسودان قرارات تقتله بالبطيء.

حكومة بورتسودان لا تحارب السوق الأسود؛ هي السوق الأسود نفسه. هي التي تشتري الدولار بـ9 آلاف لتسيير الحرب، ثم تطلب من التاجر أن يبيعه بـ6 آلاف. وهي التي تهرّب الذهب عبر مطار بورتسودان، ثم تطلب من «الجنقو» أن يلتزم بالقانون.

لا يوجد اقتصاد في بورتسودان؛ يوجد جباية.

ولا يوجد إصلاح؛ يوجد تبرير للفشل.

وعندما يفشل التبرير، يعلّقون الفشل على «العودة إلى الخرطوم».

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.