السعودية رفضت منح البرهان وديعة بعد رفضه إرسال قوة عسكرية إلى اليمن.. ثم عاد للموافقة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التاريخية

أواب عزام البوشي

لا شك أن المملكة العربية السعودية وضعت قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام اختبار سياسي وعسكري بالغ التعقيد، اختبار كشف حجم التناقضات التي تحاصر الرجل، وأظهر إلى أي مدى باتت القرارات الاستراتيجية لسلطة بورتسودان مرتبطة بالأزمات الاقتصادية والبحث عن الدعم الخارجي، أكثر من ارتباطها بمصالح السودان الوطنية.
ففي بداية الأمر، رفض البرهان إرسال قوة عسكرية إلى اليمن استجابةً للطلب السعودي، ليجد نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية. كيف يمكن أن يرسل قوات سودانية لمحاربة الحوثيين، في وقت تتحدث تقارير عن علاقات وتعاون بين الحوثيين وبعض دوائر الجيش السوداني، بما في ذلك تقارير عن تدريب على الطائرات المسيّرة ونقل أسلحة عبر ميناء بورتسودان، في سياق إقليمي يرتبط بإيران؟
هنا تتجلى المفارقة السياسية الأكثر إثارة للانتباه؛ فالحوثيون الذين يخوضون صراعاً مع السعودية، يمتلكون قنوات تعاون مع أطراف داخل المؤسسة العسكرية السودانية. وفي المقابل، يقف البرهان أمام السعودية باعتباره حليفاً وشريكاً إقليمياً، بينما تحاصره شبكة من التناقضات والتحالفات التي تجعل اتخاذ موقف واضح أمراً بالغ الصعوبة.
وبحسب التسريبات فإن البرهان كان يأمل في الحصول على وديعة مالية سعودية تساعد سلطة بورتسودان على تجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة، إلا أن رفضه الأولي إرسال قوة عسكرية إلى اليمن ألقى بظلاله على مسار طلبه، وأثار تساؤلات حول مدى استعداد الرياض لتقديم الدعم المالي دون مقابل سياسي أو عسكري.
لقد كان البرهان يبحث عن مخرج اقتصادي عاجل، في ظل انهيار العملة، وتراجع الموارد، وتفاقم الأزمات المعيشية، واتساع رقعة الحرب التي استنزفت الدولة السودانية ومؤسساتها. لكن السعودية، لم تكن مستعدة لمنح الدعم المالي في ظل غياب التفاهم بشأن الملفات الإقليمية والأمنية.
وفي الوقت نفسه، لم يجد البرهان في موسكو ما كان يطمح إليه من دعم حاسم، بينما تواجه إيران حساباتها الإقليمية المعقدة واستعداداتها لمواجهات محتملة مع إسرائيل. وهكذا، وجد الرجل نفسه أمام تضييق متزايد في الخيارات، بعدما راهن على تحالفات خارجية لم تمنحه ما يحتاج إليه لإنقاذ سلطته من أزمتها الاقتصادية.
ومع تصاعد الضغوط، تبدو الموافقة اللاحقة على الطلب السعودي، أقرب إلى محاولة للخروج من مأزق اقتصادي وسياسي، لا إلى قرار عسكري منفصل عن حسابات السلطة ومصالحها.
وهنا تظهر حقيقة مهمة تغير موقف البرهان من إرسال القوات إلى اليمن لم يكون نتيجة مراجعة استراتيجية بل الازمة الاقتصادية الخانقة ورفض الدعم المالي دفعاه إلى إعادة النظر في موقفه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.