قبل ما يزيد قليلاً على خمس سنوات، وتحديداً في 25 أكتوبر 2021، أطاح قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، بالحكومة الانتقالية المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، التي جاءت ثمرة لثورة شعبية أطاحت بنظام ديكتاتوري استمر ثلاثة عقود. وبعد ذلك، تصاعدت الخلافات بين الجنرالين حتى انفجرت الحرب في أبريل 2023، ولعبت بقايا النظام الإسلامي السابق دوراً رئيسياً في تأجيجها. وقد تحولت هذه الحرب إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، لكنها كشفت أيضاً عن أزمة أعمق: تراجع النظام الدولي الذي كان يُفترض أن يحمي دولاً مثل السودان عندما تتعرض للانهيار.
فالمؤسسات التي أُنشئت لمنع الحروب وحماية المدنيين باتت مشلولة، وأصبح بمقدور عاصمة واحدة تعطيل عملها بالكامل. ففي نوفمبر 2024، استخدمت روسيا حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار في مجلس الأمن تقدمت به المملكة المتحدة، لم يكن يطالب بأكثر من حماية المدنيين، رغم تأييد الأعضاء الأربعة عشر الآخرين له. ومنذ ذلك الحين، ظلت الجهود الرامية إلى فرض حظر شامل على تدفق السلاح إلى السودان تراوح مكانها، رغم إدراك الجميع أن الأسلحة القادمة من الخارج هي أحد أهم أسباب استمرار الحرب. ولم يكن الاتحاد الأفريقي أفضل حالاً؛ فعندما اجتمع مجلس السلم والأمن الأفريقي لمناقشة السودان في فبراير الماضي، لم ينصبّ الجدل على كيفية إسكات البنادق، بل على أي طرف من أطراف الحرب يستحق الاعتراف بشرعيته.
لم يكن السودان دائماً ضحية لهذا التجاهل. فعلى مدى ثلاثة عقود، شكّل واحدة من القضايا النادرة التي حظيت بتوافق الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن. فقد تجاوز الحزبان خلافاتهما بشأن الحرب الأهلية في جنوب السودان، والإبادة الجماعية في دارفور، والديكتاتورية الإسلامية التي حكم بها عمر البشير. والحرب الحالية ليست منفصلة عن تلك المآسي، بل تمتد جذورها إلى التاريخ نفسه، وتحمل الكثير من أهواله.
ما تغيّر ليس السودان، بل الغرب نفسه، حيث أصبحت السياسة الخارجية امتداداً للاستقطاب الداخلي والصراعات الأيديولوجية والثقافية. وباتت النزاعات البعيدة تُقرأ من زاوية ما تعنيه للجدل السياسي الغربي، لا من زاوية ما تفعله بالشعوب التي تكتوي بنيرانها.
ومن رحم هذا الانقسام برز ما يسميه البعض «تحالف الأحمر والأخضر»، الذي يجمع تيارات من اليسار المتطرف والإسلام السياسي. وهو تحالف تتشكل مواقفه تجاه السودان انطلاقاً من صراعات الغرب الداخلية، لا من فهم حقيقي للواقع السوداني. فهو يتجاهل الجذور التاريخية للحرب، الممتدة عبر ستة عقود من الحكم العسكري وهيمنة نخبة عسكرية إسلامية ضيقة استولت على الدولة وحكمتها بالقوة، ليعيد تصوير الصراع باعتباره مجرد حرب بالوكالة ضمن مواجهة دولية أوسع.
لقد قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، في فبراير الماضي، إن أكثر من اثنتي عشرة دولة تسهم في تأجيج الحرب السودانية. ومع ذلك، تنتقي هذه التيارات دولاً بعينها لتوجيه الاتهامات إليها، وفقاً لخريطتها الأيديولوجية للمنطقة. وبدلاً من إدانة طرفي الحرب، اللذين خرجا من رحم المنظومة نفسها، تنحاز إلى أحدهما، وتتجاهل حتى استخدام الأسلحة الكيميائية الذي أكدته الحكومة الأمريكية. والمؤسف أن بعض المنظمات الحقوقية المعروفة باتت هي الأخرى تنظر إلى المأساة السودانية بعين واحدة.
ولتغطية هذا الانحياز، يجري استدعاء شعارات لا تصمد أمام حقائق السودان. فشعار «مناهضة الإمبريالية» لا يتناسب مع البرهان ورفاقه. و«السيادة الوطنية» ليست رخصة لقصف المواطنين، بل مسؤولية عن حمايتهم. أما شعار «الحلول السودانية»، فلا يستقيم حين يُرفع دفاعاً عن الجنرالات الذين أطاحوا، بدعم خارجي، بالحل الذي اختاره السودانيون بأنفسهم عبر ثورة ديسمبر 2018. إن أنصاف الحقائق هي أخطر أنواع الأكاذيب، خصوصاً عندما تصدر ممن يرفعون راية الدفاع عن حقوق الإنسان.
وقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهذا الانحياز، الذي أسهم في إطالة أمد الحرب وتعميق المأساة الإنسانية. فلم نشهد حملة عالمية واسعة يقودها مشاهير ومؤثرون للمطالبة بأبسط مطلبين يحتاجهما السودانيون: وقف الحرب والسماح بوصول المساعدات الإنسانية. فقد انصرفت الأنظار إلى معارك أخرى.
لكن مخاطر استمرار الحرب لا تتوقف عند حدود السودان. فالسودان يمثل الجائزة الكبرى لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي؛ إذ إنه البلد الذي تمكن فيه التنظيم من الحكم لثلاثين عاماً، والذي تلوح أمامه اليوم فرصة لاختطاف الدولة من خلف واجهة عسكرية. ويتعامل بعض اليساريين في الغرب مع معارضة الإخوان المسلمين باعتبارها عداءً للإسلام نفسه، وكأنهم أكثر حرصاً على الإسلام من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والأردن، وهي دول حظرت التنظيم.
إن عودة الإسلاميين لاختطاف الدولة في السودان تعني احتمال تحوله مجدداً إلى ملاذ للإرهاب على البحر الأحمر، واتساع رقعة الصراعات الإقليمية، وقيام موطئ قدم لإيران وغيرها من القوى المناوئة للغرب. ولسنا بحاجة إلى تخيل ما يمكن أن يحدث؛ فقد شهدنا هذا المشهد من قبل. ففي المرة السابقة التي امتلك فيها الإسلاميون دولة في السودان، انتهى الأمر بالهجوم الإرهابي في مانهاتن.
وهنا نصل إلى حقيقة قد لا تروق لكثير من المنخرطين في الاستقطاب السياسي: بصرف النظر عن الموقف من أجندة الرئيس دونالد ترامب الأوسع، فإن نهج إدارته تجاه السودان يسير في الاتجاه الصحيح، وكان ينبغي، في ظروف طبيعية، أن يحظى بدعم متجاوز للانقسامات السياسية.
لقد وضعت إدارة ترامب السودان ضمن أولوياتها، ليس على مستوى التصريحات فحسب، بل من خلال التحركات الدبلوماسية المكثفة لمبعوثها مسعد بولس. وشكّلت الآلية الرباعية بالتعاون مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، وطرحت خريطة طريق واضحة، وواصلت الدفع بها رغم العقبات، مع تنسيق جهودها مع الآلية الخماسية متعددة الأطراف. وقد اتخذت خريطة الطريق موقفاً واضحاً من التيارات الإسلامية، باستبعادها من العملية السياسية، إدراكاً للمخاطر التي تمثلها. كما جعلت الهدنة الإنسانية أولوية، وصاغت اتفاقاً بشأنها، وعملت على الضغط من أجل تنفيذه.
والأهم أن الإدارة الأمريكية انحازت بوضوح إلى مستقبل ديمقراطي للسودان، وتمسكت برفض إضفاء الشرعية على انقلاب أكتوبر 2021، في وقت بدأت فيه حكومات غربية أخرى تنجرف نحو القبول به دون مبرر أخلاقي واضح، في تناقض يكشف حدود التزامها المعلن بالقيم الديمقراطية.
كذلك سمّت الإدارة الأمريكية دور جماعة الإخوان المسلمين بوضوح، وصنّفت الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً. وأكدت استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، في الوقت الذي فرضت فيه عقوبات على خصومه بسبب الفظائع التي ارتكبوها.
ولم تكتفِ بذلك، بل طرحت في مجلس الأمن أحد أكثر التحركات طموحاً منذ سنوات لوقف تدفق السلاح إلى السودان، من خلال مشروع قرار يوسّع الحظر ليشمل جميع أنحاء البلاد وكل أطراف الحرب، بما في ذلك الطائرات المسيّرة.
والمفارقة أن هذا السجل من التحركات يواجه تشكيكاً من بعض الأوساط الغربية أكثر مما يواجهه من السودانيين أنفسهم.
إن السودان لا يحتاج إلى أن يتفق الغرب حول دونالد ترامب، بل يحتاج إلى أن يتفق الغرب حول السودان، كما كان يفعل في السابق. فوقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، ووقف تدفق السلاح الخارجي، واستعادة مسار الانتقال المدني الذي اختاره السودانيون، ليست مطالب حزبية وإنما مطالب إنسانية وسياسية وأخلاقية ينبغي أن تتجاوز كل الانقسامات.
إن حجم الكارثة الإنسانية في السودان يفرض إخراج قضيته من دائرة الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، واستعادة التوافق الدولي الذي حظيت به طوال عقود. وهذا أقل ما يدين به العالم لنحو خمسين مليون إنسان.
لقد وضعت إدارة ترامب المسار الصحيح للتعامل مع الأزمة السودانية، ولا ينبغي أن تُترك لتسير فيه وحدها.
نشر على « Middle East Forum»
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.