لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام تُتلى في تقارير المؤسسات الدولية، ولا هي مجرد نسب تضخم مرتفعة وهبوط متواصل لقيمة الجنيه في أسواق الصرف؛ بل تحولت إلى واقع يومي يطحن أجساد المواطنين وأحلامهم. بين طوابير السلع الأساسية، وارتفاع أسعار الوقود والدواء، وتراجع القدرة الشرائية لأدنى مستوياتها التاريخية، يقف الشارع السوداني أمام لحظة فارقة تتجاوز مجرد المعاناة المعيشية لتصل إلى تساؤل وجودي حول المستقبل.
في ظل هذا المشهد القاتم، تتجه الأنظار مع اقتراب نهاية العام إلى شهر ديسمبر—الشهر الذي تحول في الذاكرة الجمعية السودانية من مجرد طقس سنوي إلى رمز للحراك السياسي والشعبي. إن عبارة “ديسمبر قادم، والديسمبريون قادمون” لم تعد مجرد شعار يُردد في المظاهرات، بل أضحت حالة ذهنية ورسالة مبكرة لكل القوى السياسية والتنفيذية بأن الصبر الاقتصادي للمواطن قد بلغ مداه.
اقتصاد تحت الترقيع.. وأزمة هيكلية عميقة
يمر الاقتصاد السوداني بإحدى أعقد محطاته التاريخية؛ حيث تتداخل الآثار الكارثية للنزاعات المسلحة مع تعطل عجلة الإنتاج، وتراجع الإيرادات العامة، وتوقف محركات التنمية في القطاعات الزراعية والصناعية الحيوية. إن المحاولات المتعاقبة لإدارة الأزمة عبر حلول جزئية أو إجراءات مالية طارئة لم تزد الموقف إلا تعقيداً، حيث تدفع الفئات الضعيفة والطبقة الوسطى المضمحلة الفاتورة الأكبر للإخفاق في وضع رؤية شاملة للتعافي.
لقد أثبتت التجربة أن التدهور الاقتصادي الشامل لا يمكن فصله عن حالة الانسداد السياسي، فغياب الاستقرار وغياب الحوكمة الشفافة يجعلان من الصعب استقطاب الاستثمارات أو بناء استراتيجيات اقتصادية طويلة المدى تُعنى برفع المعاناة عن المواطن وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
روح ديسمبر: هل يتجدد الحراك الشعبي؟
تكتسب رمذية “ديسمبر” زخمها من كونه الشهر الذي شرع فيه السودانيون في كتابة فصل جديد من تاريخهم الحديث بحثاً عن الحرية والسلام والعدالة؛ واليوم يُضاف إليها المطلب الأساسي: العيش الكريم. إن تدهور الأوضاع المعيشية والضغط المالي المستمر على العائلات لم يلغِ تطلعات الشباب المتطلعين للتغيير، بل أعاد تشكيل أولوياتهم ليصبح ملف الإصلاح الاقتصادي وتأمين مقومات الحياة في مقدمة المطالب الشارعية.
إن عودة الحديث عن “الديسمبريين” تعكس رغبة شعبية في إعادة البوصلة نحو القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس اليومية. فالمواطن الذي يواجه صعوبة في توفير قوت يومه أو علاج أطفاله لن يظل مراقباً للأحداث من بعيد، بل يتطلع إلى آليات ضغط مدنية وسلمية تُجبر صناع القرار على وضع ملف الأزمة الاقتصادية في صدارة الأولويات.
خيارات المرحلة: نحو معالجات جادة أم انفجار محتوم؟
إن الوصول إلى ديسمبر القادم يستلزم العمل على خطوات جادة تتجاوز الإسعافات الأولية الشكليّة. ويتطلب الحد من وتيرة التدهور الاقتصادي التركيز على محاور عاجلة:
دعم القطاعات الإنتاجية: إعطاء الأولوية للزراعة والإنتاج المحلي لضمان الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
شفافية إدارة الموارد: توجيه الإيرادات العامة نحو الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبحث عن آليات لتخفيف التضخم.
تهيئة البيئة للاستقرار: إدراك أن الاستقرار الاقتصادي لن يتحقق دون تسوية سياسية وأمنية شاملة تُعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس متينة.
يبقى شهر ديسمبر في العقل الجمعي السوداني أكثر من مجرد خانة في التقويم؛ إنه اختبار متجدد لإرادة التغيير والقدرة على مواجهة التحديات. إن الأزمة الاقتصادية الراهنة تُشكل التحدي الأكبر لتماسك المجتمع السوداني، وسيكون شهر ديسمبر القادم محطة جديدة للتقييم، حيث يصعب تجاهل أصوات الداعين إلى التغيير والتصحيح، لأن الأزمات المعيشية عندما تتفاقم تصبح هي المبالِغ الفعلي والمحرك الأول لأي حراك قادم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.