هل جودية الأمريكان تغطي حوار البرهان؟

د. مصطفى الجميل

السلام الشامل والعادل والكامل في كل ربوع السودان، وقبول الآخر، والعمل جميعًا كشركاء بحقوق مواطنة كاملة وواجبات على الجميع، هو الحل للنزاع السوداني.

بالبلدي كده… درب الفيل درق درب النعامة!

والأجاويد لا بنجّوا الغنم لا بقمحوا المرفعين!!

جودية حوار البرهان غير منطقية لسبب بسيط: أعضاؤها غير محايدين، ولا يصنعون سلامًا ولا يوقفون حربًا!

الجودية هي عملية صلح بين المتخاصمين، يقعدوا في شجرة أو ضرا، وغالبًا الأجاويد يكونون طرفًا ثالثًا بعيدًا من الطرفين المتخاصمين. ودوماً الأجاويد فيهم عدة صفات؛ أولًا محايدون، وكلمتهم مسموعة في المجتمع، ومحل ثقة، ومن صفاتهم الحكمة والصدق وقوة الشخصية والتأثير الكبير على المجتمع.

ولهم أدوار مجتمعية معينة، مثل: إمام الجامع، ورجل الإدارة الأهلية «قبل تسييس الإدارة الأهلية»، وشيخ الحلة، والشخص الأكبر في الحي من حيث العمر، والقاضي، والعالم في مجاله، والموظف الكبير… إلخ.

والأجاويد بيسمعوا كلام الطرفين، كلٌّ على حدة. وفي حالة الخلاف بين قبيلتين، الأجاويد يكونون من قبيلة ثالثة لا تمت بصلة قرابة لأي من القبيلتين!

ومهما كانت درجة الخلاف، يصلون إلى حل. حتى في حالات القتل، سبق لي أن حضرت جودية في منطقة باهاي استمر الاجتماع فيها لأكثر من 40 ساعة. كل شخص يتحدث ويأخذ وقته كيفما شاء، وعندما ينتهي من حديثه لا يحق له الحديث مرة أخرى أو مقاطعة شخص آخر يتحدث.

 

تنتهي الجودية بحل، وقول كلمات مأثورة: «الله ينعل الشيطان»، ولازم يشيلوا الفاتحة طردًا للشر، ويتصافح المتخاصمون، ويتحدث كبير الأجاويد عن العادات والتقاليد الراسخة في المجتمع، وكيف توصل مع الأجاويد إلى حل للمشكلة، مستندًا إلى التفاهم المشترك والإرث وضرورة الاعتراف بالمصالح والمنافع بين الطرفين، وضرورة تحقيق مبدأ الإنصاف والعدالة والحياة من منظور مجتمعي محلي.

لجنة الحوار أغلبية أعضائها لهم أحاديث حول الحرب، وهي لجنة غير محايدة. إن كان الغرض منها حل المشكلة السودانية فهي لا تحل، وإن كان الغرض منها تهدئة الأوضاع لحين، فهذا أمر فاشل.

 

هناك المئات من الشخصيات السودانية التي يتفق حولها طرفا الحرب، بمن فيهم عبدالواحد نور، مثل الشرتاي إبراهيم من نيالا، والشيخ الياقوت، شيخ الطريقة القادرية الكباشية، والبروفيسور سليمان صالح فضيل، والشيخ ود رملي من منطقة شمال الجيلي، والعديد من الأسماء المقبولة للطرفين ولكل السودان.

 

لم تذهب اللجنة بعيدًا، وجاءت مواعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من كل عام، وتمت دعوة الأطراف السودانية المتحاربة هناك، وكثرت التكهنات والأقوال. وقرأت حديثًا للبرهان صباح اليوم في «فورين بوليسي» يقول فيه إنه مع السلام! وتراجع عن قوله السابق: «المجد للبندقية، ويا كملتونا ويا كملناكم»، وهذه خطوة جيدة إن كانت صادقة وغير تكتيكية!

 

فالشخص لا ينبغي أن يكون مجرد وقود للغضب، بل مدرسة وأفكارًا تتعلم منها كيف تُدار الأزمات وكيف تُحفظ الدماء. ومن أعظم الأشياء الصبر على الضغوط دون أن يتحول الصبر إلى ضعف، ودون أن تتحول القوة إلى ظلم.

 

فالقوة الحقيقية للدولة وقادتها ليست في كثرة التهديدات، وإنما في قدرة هؤلاء القادة على حماية الشعب وحفظ كرامته وإدارة الأزمة المعقدة بالحكمة!

 

سوف يغطي درب الفيل الأمريكي على المشهد، بحسب توقعي وتوقع العديد من دارسي السياسة، والمشهد السليم هو وقف إطلاق النار وهدنة! وهذا هو المدخل السليم لحل المشكلة السودانية، وبقية التفاصيل تأتي لاحقًا.

 

ومن يجني الكثير من الربح جراء استمرار الحرب سيقف السودانيون ضده؛ لأنهم من يدفعون الثمن في عيشهم وكرامتهم وأمنهم.

 

فالإغلاق المستدام لكل مسارات السلام، والتعويل على روسيا والصين داخل مجلس الأمن في القرارات، لا ينتج إلا رد فعل عنيف من الفيل الأمريكي، ودونكم القضية السورية بعد التعنت الروسي الصيني، شاهدنا ما حدث!

 

إغلاق مسارات السلام يدفع ثمنه السودانيون، وستدفع الأجيال القادمة الثمن؛ لأن قادة البلاد لا يريدون أن تنتهي الحرب.

 

فالحرب تكلف الجميع، وكل سوداني خسر دمًا ومالًا، وتشرد ونزح وأصبح لاجئًا، والسلام يعني عدالة ومستقبلًا وإعادة إعمار وتنمية وقوانين وعيشًا كريمًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.