القوى السياسية.. الحِصّة وطن

تيسير المبارك

 

كان من أجمل ما أنجبته ثورة ديسمبر ذلك الشعار البسيط والعميق في آن واحد: “الحِصّة وطن.” لم يكن مجرد هتاف يردده الثوار في الشوارع، بل كان مشروعاً أخلاقياً وسياسياً يدعو إلى تجاوز الغنائم الحزبية، والانتصار لفكرة أن السودان أكبر من المقاعد والمناصب والمحاصصات.

اليوم، وبعد سنوات من الحرب التي أحرقت المدن، وشرّدت الملايين، ودفنت أحلام أجيال كاملة تحت ركام المنازل والمستشفيات والمدارس، يبدو أننا أحوج ما نكون إلى استعادة ذلك الشعار. ليس بوصفه ذكرى جميلة من أيام الثورة، وإنما باعتباره خارطة طريق لإنقاذ وطن يتآكل كل يوم.

المشهد السوداني اليوم مؤلم إلى حد لا يسمح بالمزيد من المناورات السياسية. ملايين النازحين لا يسألون عن الحزب الذي سيحكم، بل عن لقمة الخبز، وجرعة الدواء، ومدرسة يعود إليها أطفالهم، وبيت يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء. هؤلاء لا ينتظرون بيانات التخوين، ولا خطابات الانتصار، بل ينتظرون نهاية لهذه الحرب التي استنزفت الإنسان والمكان.

ومع ذلك، لا تزال القوى السياسية أسيرة خلافاتها القديمة، وكأن شيئاً لم يحدث. لا يزال كثيرون يتجادلون حول من يقود المرحلة المقبلة، بينما الوطن نفسه يواجه خطر الانهيار. وما قيمة السلطة إذا لم يبق وطن تُمارس فيه؟

لقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتتها تجارب كثيرة حول العالم، أن الحروب لا تُبقي منتصراً حقيقياً. فالمنتصر في ساحة المعركة قد يجد نفسه حاكماً لبلد منهك، واقتصاد مدمر، ومجتمع ممزق، ومؤسسات فقدت قدرتها على أداء أبسط وظائفها. لذلك فإن الرهان على الحسم العسكري، مهما طال الزمن، لن يصنع سلاماً دائماً، ولن يعيد الثقة بين السودانيين.

إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق جميع القوى السياسية والمدنية، بلا استثناء. المطلوب ليس أن يتخلى أحد عن مبادئه، وإنما أن يتفق الجميع على أن وقف الحرب أصبح أولوية وطنية تتقدم على كل الحسابات الحزبية والأيديولوجية. فالخلافات يمكن أن تُناقش حول طاولة الحوار، أما الدماء التي تُراق كل يوم فلا يمكن تعويضها.

نحتاج إلى خطاب جديد، لا يقوم على الإقصاء ولا على الانتقام، بل على الاعتراف بأن السودان لا يمكن أن ينهض إلا بشراكة وطنية واسعة، تحترم التنوع، وتؤسس لدولة القانون، وتضع مصلحة المواطن فوق مصالح النخب.

لقد وحّدت ثورة ديسمبر السودانيين حول قيم الحرية والسلام والعدالة. صحيح أن الطريق تعثر، وأن البلاد دخلت في دوامة من الانقسامات والحرب، لكن القيم التي جمعت الناس آنذاك لم تمت. ما زالت حاضرة في وجدان السودانيين الذين يحلمون بوطن لا يُقتل فيه الإنسان بسبب رأيه، ولا يُهجَّر بسبب الحرب، ولا يُحرم من التعليم أو العلاج بسبب انهيار الدولة.

إن شعار “الحِصّة وطن” ليس دعوة إلى تقاسم السلطة، بل إلى تقاسم المسؤولية. مسؤولية وقف الحرب، وإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين السودانيين، وفتح الطريق أمام عملية سياسية تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين، بل إلى مزيد من الحكماء. يحتاج إلى رجال ونساء يدركون أن التاريخ لن يذكر من ربح معركة، بقدر ما سيذكر من أنقذ وطناً من الضياع.

فلنجعل من وقف الحرب نقطة البداية، ومن السلام هدفاً لا مساومة عليه، ومن الوطن الحصة الوحيدة التي يتنافس الجميع على حمايتها. فحين تكون الحِصّة وطناً… لا يخسر أحد، ويكسب السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.