الحرب: ليست شراً مطلقاً بل محركٌ صامتٌ للتاريخ

✍🏽 هشام محمد شريف

تُعدّ الحرب، في الوعي الجمعي، مرادفاً للدمار والخراب، وتُصوّر غالباً على أنها الشر المطلق الذي لا يحمل في طياته سوى الفناء.
بيد أن نظرةً أعمق وأكثر فلسفية إلى صفحات التاريخ تكشف عن وجهٍ آخر لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة؛ وجهٌ يرى فيها، لا مجرد كارثةٍ عابرة، بل قوةً دافعةً للتغيير، ومحفزاً لإعادة بناء الأفق المسدود، وإعادة تشكيل الوعي، بل وسُنّةً من سنن الحياة التي لا يمكن فصلها عن مسيرة الحضارات.
إنها ليست تبريراً للعنف، بل محاولةٌ لفهم دورها الجدلي في صيرورة الوجود البشري.
إن الحرب، في جوهرها، قد تكون نتيجةً حتميةً لانسداد الأفق السياسي وفشل الحوار، حين تستنفد كل السبل السلمية وتتصلب المواقف، فلا يبقى أمام القوى المتصارعة إلا الاحتكام إلى منطق القوة.
ورغم قسوتها التي لا تُنكر، إلا أنها تحمل في طياتها بذور تحولاتٍ عميقة قد تُفضي إلى نتائج إيجابية غير متوقعة، تعيد بناء أساسيات الحوار المفقود، وتفتح آفاقاً جديدة كانت تبدو مستحيلة.
التأصيل الفلسفي:
الحرب كسُنّة من سنن الحياة والتاريخ
لقد تناول الفلاسفة والمفكرون ظاهرة الحرب عبر العصور، محاولين فهم مكانتها في النسيج التاريخي والاجتماعي.
ولم تكن رؤاهم مقتصرة على إدانة الحرب كفعلٍ تدميري، بل امتدت لتشمل تحليلها كقوةٍ محركةٍ للتاريخ، وكعاملٍ أساسي في تطور المجتمعات والدول.
ابن خلدون: الحرب كطبيعة بشرية وضرورة عمرانية
يُعدّ العلامة ابن خلدون (1332-1406م) من أبرز المفكرين الذين تناولوا الحرب من منظورٍ واقعي وفلسفي عميق.
ففي مقدمته الشهيرة، يرى ابن خلدون أن الحرب ظاهرةٌ طبيعيةٌ متأصلةٌ في البشرية منذ فجر التاريخ، وأنها نابعةٌ من غريزة العدوان الكامنة في الإنسان يقول ابن خلدون: «اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل» .
ويُصنّف ابن خلدون أسباب الحروب إلى أربعة أنواع رئيسية :
الغيرة والمنافسة:
وهي الحروب التي تنشأ بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة بسبب التنافس على المال والسلطان والجاه.
العدوان:
وهي حروب الأمم الوحشية الساكنة في القفر، التي يكون هدفها توفير أقواتها وأرزاقها بالغزو واستعمال السلاح، وهي حروب لا تحمل هدفاً سياسياً أو اجتماعياً بل صراعاً من أجل البقاء.
الغضب لله ولدينه (الجهاد):
وهي الحروب الدينية المقدسة التي تهدف إلى نصرة الدين والدفاع عن الأمة.
الغضب للملك والسعي في تمهيده:
وهي حروب الدول ضد الخارجين عليها والمانعين لطاعتها، لترسيخ شرعيتها السياسية.
يرى ابن خلدون أن غياب الوازع السياسي الذي يفرض السلطان والقهر لردع الظلم هو السبب الرئيسي للمنازعات والحروب.
فالحرب، في منظوره، ليست مجرد فعلٍ تدميري، بل هي جزءٌ لا يتجزأ من صيرورة العمران البشري، وعاملٌ أساسي في نشأة الدول وتقويتها، والانتقال من البداوة إلى الحضارة.
إنها، وإن كانت تحمل قيمة أخلاقية سلبية في بعض صورها، إلا أنها ضرورةٌ طبيعيةٌ تقع في إطار شروط اجتماعية وتاريخية معينة .

هيغل: الحرب كاختبار للدولة ومحرك للروح المطلق
أما الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831م)،
فقد نظر إلى الحرب من منظورٍ جدلي، رافضاً اعتبارها شراً مطلقاً.
ففي فلسفته، تُعدّ الحرب ضرورةً تاريخيةً تخدم غاياتٍ أسمى، فهي ليست نتيجة كراهية شعب لشعب، بل هي وسيلةٌ لإيقاظ الشعوب من استكانتها وتكاسلها، وتجديد حيويتها .
يرى هيغل أن الدولة، في وجودها الخارجي، تتحدد في علاقتها بالدول الأخرى.
وفي غياب سلطة عالمية عليا، فإن الدول تعيش في حالةٍ طبيعيةٍ قد تفضي إلى الصراع. فالحرب، في هذا السياق، تُعدّ اختباراً لصحة الدول وقوتها، حيث تنتصر الدول الأكثر تنظيماً وعقلانيةً على تلك الأقل تطوراً أخلاقياً وسياسياً . يقول هيغل: «يجب اعتبار الحروب ضرورية لأن الشعوب المستقلة موجودة جنباً إلى جنب» .
إن هذه النظرة لا تُعدّ تمجيداً للحرب، بل اعترافاً بواقع العلاقات الدولية.
فالحرب، في منظور هيغل، هي محكمة التاريخ العالمي التي تُحاسب الدول وتُظهر مدى توافقها مع الروح المطلق الذي يدفع التاريخ نحو غاياته .
إنها عمليةٌ جدليةٌ تُسهم في تطور الوعي البشري وتحقيق الحرية في نهاية المطاف.
كلاوزفيتز: الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى
ويُعتبر المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831م) من أهم من كتبوا عن فلسفة الحرب، حيث اشتهر بمقولته الخالدة: «الحرب ليست مجرد عمل سياسي، بل هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى» . فالحرب، في نظره، ليست غايةً في حد ذاتها، بل هي أداةٌ تُستخدم لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ معينة. إنها فعلٌ عنيفٌ يهدف إلى إجبار الخصم على الخضوع لإرادة الطرف المنتصر .
لقد أكد كلاوزفيتز على أن الحرب لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الذي تنشأ فيه، وأن فهم طبيعة الحرب يتطلب فهم الدوافع والأهداف السياسية التي تقف وراءها.
وبالتالي، فإن الحرب، وإن كانت مدمرة، إلا أنها قد تكون وسيلةً ضروريةً لتحقيق غاياتٍ سياسيةٍ مشروعة، أو لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالح الدولة.
أمثلة تاريخية مؤكدة: الحرب كمحفز للتغيير
يزخر التاريخ البشري بالعديد من الأمثلة التي تُظهر كيف أن الحروب، رغم فظاعتها، قد أدت إلى تحولاتٍ جذريةٍ وإيجابية، وأسست لأنظمةٍ جديدةٍ، وقضت على مظالمَ كانت تبدو مستحيلة الإزالة بالطرق السلمية.
حرب الثلاثين عاماً وصلح وستفاليا (1618-1648م)
تُعدّ حرب الثلاثين عاماً واحدةً من أكثر الصراعات دمويةً في تاريخ أوروبا، وقد خلّفت دماراً هائلاً. ومع ذلك، فإن نهايتها بـ صلح وستفاليا عام 1648م لم تكن مجرد نهايةٍ للصراع، بل كانت نقطة تحولٍ حاسمةٍ في تاريخ العلاقات الدولية. فقد أسس هذا الصلح لمفهوم الدولة القومية ذات السيادة، وأنهى هيمنة الإمبراطورية الرومانية المقدسة والكنيسة الكاثوليكية على الشؤون الأوروبية. كما أقرّ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما وضع الأسس للنظام الدولي الحديث القائم على توازن القوى .
الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)
كانت الحرب العالمية الثانية كارثةً إنسانيةً غير مسبوقة، لكنها، في الوقت ذاته، كانت محفزاً لتغييراتٍ عميقةٍ في النظام العالمي.
فقد قضت هذه الحرب على الأنظمة الشمولية الفاشية والنازية، وأدت إلى تأسيس منظمة الأمم المتحدة بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التعاون بين الدول.
كما ساهمت في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم، وظهور قوى عظمى جديدة، ودفعت باتجاه حركات التحرر الوطني في المستعمرات .
الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865م)
كانت الحرب الأهلية الأمريكية صراعاً مريراً حول قضايا العبودية وحقوق الولايات.
ورغم التكلفة البشرية الباهظة، إلا أنها انتهت بانتصار الاتحاد والقضاء على العبودية، مما أدى إلى توحيد البلاد وتعزيز مبادئ الحرية والمساواة، وإن كان تحقيقها الكامل قد استغرق عقوداً طويلة .
الثورة الفرنسية وحروبها (1789-1815م)
لم تكن الثورة الفرنسية مجرد حدثٍ داخلي، بل كانت شرارةً لحروبٍ امتدت عبر أوروبا.
وقد أدت هذه الحروب، رغم عنفها، إلى نشر مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة، والمساواة أمام القانون، وإنهاء الأنظمة الملكية المطلقة في العديد من الدول الأوروبية.
لقد غيرت الثورة الفرنسية وحروبها وجه أوروبا والعالم، وأسست لمبادئ الديمقراطية الحديثة .
حروب التحرر الأفريقية
شهدت القارة الأفريقية العديد من حروب التحرر ضد الاستعمار الأوروبي في منتصف القرن العشرين.
وقد كانت هذه الحروب، رغم صعوبتها وتضحياتها، ضروريةً لنيل الاستقلال وتأسيس الدول الوطنية الحديثة.
فمن خلال هذه الصراعات، تمكنت الشعوب الأفريقية من استعادة سيادتها، وبناء هويتها الوطنية، والانطلاق نحو التنمية، وإن كانت التحديات لا تزال قائمة .
الحرب كمعيد لتشكيل الوعي
غالباً ما تكون الحروب بمثابة صدمةٍ عنيفةٍ تُجبر المجتمعات على إعادة تقييم ذاتها، وقيمها، ومؤسساتها.
فبعد الدمار الذي تخلفه، يبرز وعيٌ جديدٌ بضرورة التغيير والإصلاح. تتساءل المجتمعات عن الأسباب التي أدت إلى الحرب، وتُعيد النظر في أولوياتها، وتُعيد بناء نسيجها الاجتماعي على أسسٍ مختلفة.
هذا التشكيل للوعي قد يؤدي إلى :
إعادة تعريف الهوية الوطنية: حيث تتجلى الوحدة في مواجهة التحديات، وتُصاغ رؤيةٌ مشتركةٌ للمستقبل.
إصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية:
للتخلص من العوامل التي أدت إلى الصراع، وبناء أنظمةٍ أكثر عدلاً وشمولية.
تعزيز قيم التسامح والتعايش:
بعد تجربة مرارة الصراع، تدرك المجتمعات أهمية قبول الآخر والعمل المشترك.
النهوض الاقتصادي والاجتماعي:
حيث تُصبح إعادة الإعمار فرصةً لبناء اقتصادٍ أقوى ومجتمعٍ أكثر ازدهاراً.
الحرب كقاضية على الاستبداد:
في كثيرٍ من الأحيان، تكون الأنظمة المستبدة متجذرةً ومتحصنةً، بحيث يصبح التغيير السلمي أمراً مستحيلاً. وهنا، قد تبرز الحرب كأداةٍ وحيدةٍ لكسر شوكة الاستبداد وإسقاط الطغاة.
فالتاريخ يخبرنا أن العديد من الأنظمة الديكتاتورية لم تُقضَ عليها إلا بالتدخل العسكري، سواء كان داخلياً أو خارجياً. فالحرب، في هذه الحالات، تُصبح وسيلةً لتحرير الشعوب من القمع، وفتح الباب أمام بناء أنظمةٍ أكثر ديمقراطيةً وعدلاً.
إسقاط ذلك على الحروب السودانية
لا يختلف السياق السوداني كثيراً عن هذه الرؤى الفلسفية والتاريخية.
فالحروب المتتالية التي شهدها السودان، وخاصةً الحرب الأخيرة، يمكن فهمها في سياق انسداد الأفق السياسي وفشل الحوار بين القوى المختلفة.
لقد أدت عقودٌ من الصراعات السياسية، وتهميش أجزاء واسعة من البلاد، واحتكار السلطة، إلى حالةٍ من الاحتقان لم تجد متنفساً إلا في الانفجار العسكري .
ورغم الدمار الهائل الذي تخلفه هذه الحروب، إلا أنها قد تحمل في طياتها بذور تغييرٍ إيجابي، إذا ما تمكن السودانيون من استخلاص الدروس والعبر.
فمن الإيجابيات المحتملة لهذه الحرب:
إعادة تشكيل الوعي الوطني:
قد تُجبر الحرب السودانيين على إعادة تعريف هويتهم، وتجاوز الانقسامات العرقية والجهوية، وبناء وعيٍ وطنيٍ جامعٍ يرتكز على المواطنة المتساوية.
كسر احتكار السلطة:
قد تُفضي الحرب إلى إنهاء هيمنة فئةٍ معينةٍ على مقاليد الحكم، وفتح الباب أمام مشاركةٍ أوسع في السلطة، وتوزيعٍ أكثر عدلاً للثروة.
فتح باب التغيير الحقيقي:
قد تُصبح الحرب فرصةً لإعادة بناء الدولة السودانية على أسسٍ جديدةٍ، تُعالج جذور المشكلات، وتُحقق تطلعات الشعب في الحرية والعدالة والتنمية.
لتحويل هذه الحرب إلى فرصةٍ للبناء، يجب على السودانيين الاستفادة من دروس التاريخ، والعمل على :
بناء توافقٍ وطنيٍ شامل: يضم جميع الأطراف الفاعلة، ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
إرساء أسس دولة القانون والمؤسسات:
لضمان العدالة، وحماية الحقوق، ومنع تكرار الاستبداد.
تعزيز قيم الحوار والتسامح:
لبناء مجتمعٍ متماسكٍ ومتعايش، يتجاوز مرارة الماضي.
التركيز على التنمية الشاملة:
لانتشال البلاد من الفقر والتهميش، وتحقيق الازدهار لجميع المواطنين.
أمثال وحكم ومواقف تؤكد هذا المعنى
لقد أدركت الحضارات المختلفة، عبر تاريخها، أن الشدائد، بما فيها الحروب، قد تكون محفزاً للنهوض والتغيير.
وفي التراث العربي والإسلامي، نجد العديد من الأمثال والحكم التي تؤكد هذا المعنى:
«رب ضارة نافعة».
«إن مع العسر يسراً».
«الصبر مفتاح الفرج».
«إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً، فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج» .
وفي الحكمة العالمية، نجد مقولاتٍ تُشير إلى أن الأزمات قد تُخرج أفضل ما في الإنسان والمجتمعات.
فكما يقول الفيلسوف الروماني سينيكا: «النار تختبر الذهب، والشدائد تختبر الرجال».

إن الحرب، وإن كانت ظاهرةً مأساويةً بطبيعتها، إلا أنها ليست شراً مطلقاً في كل الأحوال.
فالتاريخ والفلسفة يُقدمان لنا رؤىً تُشير إلى دورها المعقد كقوةٍ محركةٍ للتغيير، ومُعيدٍ لتشكيل الوعي، وقاضيةٍ على الاستبداد.
إن فهم هذا الدور لا يعني تمجيد العنف، بل هو دعوةٌ للتأمل في طبيعة الوجود البشري، وفي كيفية تحويل الشدائد إلى فرصٍ للبناء والنهوض. فالمجتمعات التي تستطيع استخلاص الدروس من حروبها، وتحويل آلامها إلى طاقةٍ للبناء، هي تلك التي تكتب فصولاً جديدةً من التقدم والازدهار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.