حين يصبح الترقيع بديلاً للإصلاح في مشروع السوكي الزراعي

بقلم: المهندس الزراعي طارق محمد أحمد الفكي

لقد أثبتت السنوات الماضية أن من كان جزءاً من الأزمة لا يمكن أن يكون وحده صانع الحل، وأن من عجز عن إدارة مرحلة التراجع لا ينبغي أن يقود مرحلة النهوض دون مراجعة، ومحاسبة، وتقييم حقيقي للأداء. فالإصلاح لا يبدأ بتغيير العناوين أو تكرار الوجوه، وإنما يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وتصحيح المسار، وإسناد المسؤولية إلى من يمتلك الرؤية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.
هل نعالج أعراض الأزمة… أم نعالج السبب الحقيقي الذي أوصل مشروع السوكي الزراعي إلى هذا الواقع؟

إن ما حدث للمشروع خلال السنوات الماضية لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل نتيجة تراكمات من غياب الرؤية، وضعف الإدارة، وتأجيل الحلول الحقيقية، حتى أصبح الترقيع بديلاً للإصلاح، وأصبحت الخطط ـ إن وُجدت ـ تدور في دائرة معالجة النتائج، بينما تُترك الأسباب الحقيقية دون مواجهة.

الإدارة لم تقدم حتى اليوم خطة متكاملة تعالج جذور الأزمة، ولا حتى حلولاً مؤقتة واضحة تخفف آثارها. والأخطر أن المشروع أصبح أسيراً للوبيات ومجموعات المصالح، حيث يعمل كل طرف وفق أجندته الخاصة، فتقدمت المجاملات على الكفاءة، والولاءات على مصلحة المشروع، وغابت المؤسسة، وغاب القرار الموحد، وغابت المتابعة والمحاسبة. فكيف ننتظر من إدارة لا تمتلك رؤية واضحة أن تقود مشروعاً بحجم السوكي نحو التعافي؟ وكيف ننتظر منها متابعة التنفيذ وهي غائبة عن الميدان؟ وكيف ننتظر منها المحاسبة وهي عاجزة عن محاسبة نفسها؟
أما إدارة الري، فما زالت الوعود فيها أكثر من الإنجاز. نسمع كثيراً عن الاستعداد للموسم، لكن الواقع يقول إن المصارف لم تُطهر بالكامل، والترع ما زالت تعيقها الحشائش والأطماء، وأبواب ومنظمات الري تحتاج إلى صيانة، والكباري والمدارات تآكلت، والمكاتب اندثرت بفعل الإهمال. فأين إدارة الري من كل ذلك؟ وكيف يبدأ موسم ناجح بينما شريان المشروع لم يُؤهَّل بعد؟
إن تأخير تطهير المصارف يعني غرق المحاصيل، وتأخير تطهير الترع يعني ضعف وصول المياه، وفي الحالتين يكون الخاسر هو المزارع، ويكون المشروع هو الضحية.

أما قيادات المزارعين، فلا يمكن إعفاؤها من المسؤولية. فقد ضاعت ستة مواسم بين الصراعات والانقسامات والخلافات حول المواقع والتمثيل، بينما كان المشروع يفقد مقومات بقائه موسماً بعد آخر. انشغل البعض بمعارك الأشخاص، وغابت معركة الدفاع عن المشروع.

أما الشراكات والاستثمار، فقد أثبتت التجارب السابقة أن كثيراً منها لم يحقق الأهداف التي دخل من أجلها. لم تُؤهَّل البنية التحتية كما ينبغي، ولم تُنقل الخبرات، ولم تتحقق القيمة المضافة التي كان ينتظرها المزارعون، بل خرجت بعض التجارب وبقي المشروع أكثر إرهاقاً. ولذلك فإن أي شراكة قادمة يجب أن تُبنى على الشفافية، والالتزام، والرقابة، وأن يكون معيار نجاحها ما تضيفه للمشروع والمزارع، لا ما تحققه من مكاسب للطرف الآخر.
لقد آن الأوان لأن يسأل كل مسؤول نفسه: هل أعالج سبب الأزمة… أم أكتفي بإخفاء آثارها؟ لأن علاج الأعراض لا يبني مشروعاً، بل يؤجل سقوطه، أما علاج الجذور فهو وحده الذي يصنع نهضة حقيقية.
فالسوكي لن ينهض بالترقيع، ولن تبنيه الوعود، ولن تنقذه البيانات. سينهض فقط عندما يصبح الضمير أساس الإدارة، والكفاءة معيار التكليف، والمحاسبة نهجاً لا استثناءً، وتكون مصلحة المشروع فوق الأشخاص والمناصب والمصالح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.