العيد الـ٧٢… كما استقرار الكهرباء قبل دخولها ود المنسي؟

 حسن عبد الرضي

يبدو أن الفريق أول الركن ياسر العطا قد اكتشف أخيراً نظرية عسكرية جديدة تصلح لأن تُدرَّس في الأكاديميات: الجيش لا يُهزم ما دام قادته قادرين على شرح معنى الانتصار!

فالرجل يقول لنا، بكل ثقة، إنه لا يخشى دخول الدمازين أو الأبيض، وإن العبرة بالخواتيم، وإن «الدخول حدث، والبقاء انتصار». وهي عبارة تصلح جداً لتفسير كل شيء، إلا وضعاً عسكرياً يتقدم فيه الخصم نحو المدن. وربما تصلح أيضاً لتفسير مباراة كرة قدم خسرها فريقٌ صفر/خمسة، ثم خرج مدربه ليقول: «المهم أننا دخلنا الملعب، أما النتيجة فمجرد تفاصيل!».

لكن أكثر ما يثير «العجب» في خطاب الفريق «كاسات» أنه يروي الهزائم القديمة باعتبارها انتصارات مؤجلة! إذ يقول بكل جرأة، دون أن يرمش له جفن: كانوا في الخرطوم ومدني، ثم خرجوا منهما، ثم صار وجودهم في دارفور دليلاً على أن «دوائر الحق دارت عليهم».

والحقيقة أن المواطن البسيط قد يحتار: إذا كان كل تراجع انتصاراً، فكيف تكون الهزيمة إذن؟ ربما حين لا يجد الجيش مكاناً يتراجع إليه!

أما حكاية الاحتفال بالعيد الثالث والسبعين، فهي تحتاج إلى وقفة. هل لدينا أصلاً «شيء واحد، شعب واحد» حتى نحتفل بعيده؟

دعونا أولاً تكون لنا «قيادة شيء واحد» حقيقية، مهنية، قومية، موحدة، مهمتها حماية البلاد لا إدارة السياسة، وتدوير «الكاسات»، ثم نحتفل بعيدها كما ينبغي.

وهذا يذكرني بطرفة كنت أكررها كثيراً لزملائي. كلما انقطعت الكهرباء في العاصمة، كنت أحلف لهم صادقاً أن الكهرباء لا تنقطع أبداً في قريتنا «ود المنسي». ولم أكن أكذب! فقد كانت الكهرباء لا تنقطع في ود المنسي أبداً… لأن الكهرباء أصلاً لم تدخلها، آنذاك!

وهكذا تبدو بعض الانتصارات التي يحدثنا عنها الفريق العطا: لا أحد يستطيع أن ينكرها، لأنها ببساطة لم تحدث!

أما قوله: «لا ضير أن دخلوا الدمازين أو الأبيض»، فنقول له: نعم، لا ضير… إذا كانت الخريطة هي التي تقاتل، لا الجنود!

لكن المشكلة ليست في دخول مدينة فحسب، بل في أن المواطن يريد جيشاً يمنع الحرب من الوصول إلى مدينته، لا جيشاً يطمئنه بأن سقوطها ــ إن سقطت ــ ليس مهماً. فالمواطن، مع كامل احترامه للنظريات العسكرية الجديدة، لا يريد أن يسمع: «دخلوا، لكنهم لم يبقوا»، بل يريد ألا يدخلوا أصلاً!

فالانتصار ليس أن تعيد تعريف الهزيمة حتى تبدو نصراً. الانتصار أن لا يحتاج الشعب إلى قاموس عسكري لفهم ما يحدث حوله.

وبالمناسبة، إذا دخلوا الدمازين والأبيض، فلا داعي للقلق: المهم أن يبقوا خارج الخرطوم… أو هكذا تقول نظرية «كهرباء ود المنسي» الجديدة!

وحكى لي محامٍ ضليع أن ابنه محكوم بخمس سنوات سجناً، لأنهم وجدوا في هاتفه رسالة يحيّي فيها «القائد!!!» كيكل عندما كان متمرداً. وعندما حدث المحامي ابنه بأن يتقدم باستئناف بعد عودة كيكل إلى «حضن البرهان»، توسل الشاب إلى والده المحامي ألا يفعل ذلك، خشية أن يتحول الحكم إلى الإعدام.

وعبّر الابن عن سعادته بالخمس سنوات سجناً! وهنا تبلغ نظرية الانتصارات والهزائم قمة العبث: مواطن سوداني أصبح يرى في خمس سنوات سجناً نصراً، لأن الاستئناف في دولة المفارقات قد يحوّلها إلى إعدام!

فيا للعجب! حتى الأحكام صارت لها «خواتيم»، وحتى النجاة أصبحت انتصاراً، وحتى الكهرباء يمكن أن تكون مستقرة جداً… إذا لم تدخل المكان أصلاً أو إذا تعمدت عصابات، معروفة للجميع، “دفنها حية” حتى يتكسبوا من ألواح الطاقة الشمسية!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.