منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتوقف المبادرات الإقليمية والدولية التي تدعو إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي، لكن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً في الحديث عن تحركات تقودها الولايات المتحدة بالتنسيق مع شركاء إقليميين ودوليين لدفع الأطراف نحو تسوية تنهي الصراع، في ظل تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع دائرة الانهيار الاقتصادي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يملك المجتمع الدولي بالفعل أدوات كافية لفرض السلام، أم أن الضغوط السياسية وحدها لن تكون كافية ما لم تتوافر إرادة حقيقية لدى الأطراف السودانية؟
لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن بيانات الإدانة والدعوات إلى الحوار، على أهميتها، لم توقف الحرب. كما أن المبادرات المتعددة اصطدمت في كثير من الأحيان بتباين مصالح القوى الإقليمية والدولية، وباستمرار الرهان الداخلي على الحسم العسكري.
وتبدو الولايات المتحدة اليوم أكثر حرصاً على منع تحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي، ليس فقط بسبب الأبعاد الإنسانية، وإنما أيضاً لما يمثله استمرار الحرب من مخاطر على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة، واستقرار دول الجوار. ولهذا تكثفت الدعوات الدولية إلى وقف القتال، وتقليص التدخلات الخارجية، ودعم مسار سياسي شامل.
لكن أي خطة سلام، مهما كان حجم الدعم الدولي لها، لن تنجح إذا اقتصرت على الضغط الدبلوماسي دون معالجة الأسباب التي أبقت الحرب مشتعلة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن السلام المستدام يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية، وآليات للمساءلة، والتزامات واضحة من الأطراف، إضافة إلى توافق إقليمي يحد من تغذية الصراع.
كما أن المجتمع الدولي يواجه معضلة أخرى، تتمثل في كيفية ممارسة ضغط متوازن على جميع الأطراف، بما يشجعها على الانخراط في عملية سياسية من دون أن يتحول الضغط إلى عامل يدفع أي طرف إلى مزيد من التشدد أو التصعيد.
وفي الداخل السوداني، يظل السلام مطلباً شعبياً قبل أن يكون مشروعاً دولياً. فالمواطن الذي فقد منزله، أو نزح من مدينته، أو بات عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته، لا تعنيه أسماء المبادرات بقدر ما يعنيه أن تتوقف الحرب، وأن تعود الدولة إلى أداء وظائفها الأساسية.
إن المجتمع الدولي يستطيع أن يوفر منصة للتفاوض، وأن يستخدم أدواته الدبلوماسية والاقتصادية لتشجيع التسوية، لكنه لا يستطيع أن يصنع سلاماً دائماً إذا بقيت الأطراف السودانية تعتبر الحرب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية لا يمكن الوصول إليها عبر التفاوض.
ويبقى نجاح أي خطة، سواء وُصفت بأنها أمريكية أو دولية، رهناً بقدرتها على الجمع بين وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية ذات مصداقية، تحظى بقبول واسع داخل السودان، وتضع مصلحة البلاد فوق حسابات السلاح.
فالسلام لا يُفرض من الخارج وحده، لكنه أيضاً لا يتحقق من دون ضغط دولي فعّال عندما تستعصي الحلول الداخلية. والتحدي الحقيقي ليس في إعلان المبادرات، بل في تحويلها إلى التزامات عملية توقف نزيف الدم، وتمنح السودانيين فرصة حقيقية لاستعادة وطن أنهكته الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.