شهد المشهد السياسي السوداني خلال الفترة الأخيرة طرح مبادرات وتصريحات رسمية حول إمكانية إطلاق مسار حوار سياسي داخلي، ترافق مع إشكاليات عميقة تتعلق بالاطار الجغرافي والسياسي لتلك اللقاءات، وتحديداً تلك التي تُطرح لتُعقد في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية. يأتي هذا في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أقسى مراحل التصدع التاريخي والتشظي الجغرافي والمؤسسي.
خريطة التشظي الميداني والتقسيم الواقعي:
لم تعد مخاطر التقسيم في السودان مجرد توقعات نظريّة أو هواجس سياسية، بل أصبحت واقعاً مجسداً على الأرض عبر تقاسم نفوذ عسكري وسياسي بين عدة أطراف رئيسية:
مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية: وتتركز في الشمال والشرق الوسط.
مناطق سيطرة قوات الدعم السريع: والتي تبسط نفوذها على مساحات شاسعة في إقليم دارفور وأجزاء من اقليم كردفان والنيل الأزرق .
مناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال: بقيادة عبدالعزيز الحلو، والتي تدير مناطق نفوذ محددة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
مناطق سيطرة حركة تحرير السودان: بقيادة عبدالواحد محمد أحمد النور، والتي تحتفظ بوجود عسكري وسياسي حصين في معاقلها بمرتفعات جبل مرة في إقليم دارفور.
هذا الواقع الميداني المعقد يكرس تقسيمًا فعليًا وفعليًا لخرائط النفوذ، ما يجعل أي حديث عن حوار أحادي الجانب أو محصور في نطاق جغرافي واحد يفتقر إلى الشمولية الوطنية المطلوبة لمعالجة جذور الأزمة.
إشكالية المعايير واستبعاد الأطراف:
أثار الموقف الرسمي الذي أعلنه قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة بشأن استثناء الأطراف التي “تلطخت أيديهم بدماء السودانيين” موجة واسعة من الجدل والتساؤلات في الشارع السوداني والدوائر السياسية. يرى مراقبون أن هذا المعيار، إذا تم تطبيقه بموضوعية تامة على مجمل الفاعلين المسلحين والسياسيين الذين شاركوا في تأجيج الصراع أو تسببوا في معاناة المدنيين منذ اندلاع الحرب، فإنه قد يفضي عملياً إلى استبعاد القوى الفاعلة كافة على الأرض مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى أي عملية سياسية لا تضم أصحاب المصلحة الحقيقية في النفوذ والسلاح.
إلى أين يتجه المشهد السوداني؟
يضع هذا الانسداد السياسي المواطن السوداني أمام مشاعر جارفة من الإحباط والأسى وسط تساؤلات مريرة حول مصير الدولة السودانية الموحدة. إن أي محاولة لتجاوز التعقيدات البنيوية وتفكيك الأزمة تتطلب الانتقال من صيغ الحوارات الشكلية أو المولودة ميتة إلى مسار وطني جامع لا يستثني سوى من يثبت تورطه الجنائي عبر آليات عدالة انتقالية نزيهة، وبما يضمن إعادة لحمة النسيج الاجتماعي والسياسي قبل أن يتحول التقسيم الواقعي إلى واقع دائم يصعب الرجوع عنه.
إن الرهان على حوارات أحادية ومبتورة في ظل استمرار هيمنة السلاح وغياب التوافق الشامل لا يعدو كونه محاولة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها مما يقود البلاد بخطى ثابتة نحو تشظٍ جغرافي ومجتمعي يصعب تداركه. ولتجاوز هذا المنعطف التاريخي الحرج، بات لزاماً إرساء مسار وطني حقيقي يستند إلى العدالة ويخاطب جذور الأزمة التاريخية بعيداً عن الشعارات الشكلية.
(الراكوبة)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.