الحوار وشرعنة الأمر الواقع

عروة الصادق

بسم الله الرحمن الرحيم
– السيد الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان – قائد الجيش السوداني
– السادة أعضاء لجنة الوساطة والآلية الوطنية المقترحة لتيسير الحوار
– إلى جماهير الشعب السوداني وقواه السياسية والمدنية والمجتمعية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،
الموضوع: شروط جدية الحوار وضمانات منعه من التحول إلى أداة لشرعنة الأمر الواقع

نرفق لكم طيه ورقة موقف بعنوان «بين الحوار المؤسس وشرعنة الأمر الواقع»، تتضمن قراءة استراتيجية وقانونية للدعوة التي أُعلن عنها للحوار، وللضمانات التي وردت في خطاب قائد الجيش بمناسبة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة، وللمسارات الدستورية والسياسية التي سبقت هذه الدعوة وتزامنت معها.
تعبّر الورقة عن قراءتي وموقفي السياسي، مستندة إلى انتمائي لحزب الأمة القومي ومسؤوليتي مساعداً لرئيس الحزب لشؤون الشباب، وتبقى المواقف الرسمية للحزب من اختصاص مؤسساته وأجهزته المختصة.

> السيد قائد الجيش:
إن حاجة السودان إلى حوار وطني جاد أصبحت أعمق من أي وقت مضى، فحربكم “العبثية” فتكت بالمواطنين، وقسّمت الأرض، ودمّرت مؤسسات الدولة، ووسعت النزوح واللجوء، وأطلقت قوى مسلحة وشبكات مصالح باتت تستثمر في استمرار القتال وانهيار المجال المدني.
غير أن الحوار المطلوب لا يبدأ بمنح السلطة شهادة حسن سلوك لنفسها، ولا بتحديد الوطنيين والخونة، ولا باستدعاء المعارضين تحت حماية مؤقتة يمكن سحبها عقب انتهاء الجلسات، فحقوق السودانيين في التعبير والتنظيم والحركة والمشاركة السياسية حقوق دستورية أصيلة، وليست هبة يقدمها قائد عسكري أو جهاز تنفيذي لمن يوافق على الحضور.
إن إعلانكم “وقف/ تجميد” الإجراءات الجنائية في مواجهة المشاركين يفتح أسئلة تحتاج إجابات مكتوبة، من أصدر قرارات الوقف، وما أرقامها، وما سندها القانوني، وما الملفات المشمولة، وما أثرها على أوامر القبض والسفر، وما الجهة التي تنظر الطعون، وما مصير الإجراءات عقب انتهاء الحوار أو فشله.
الوعد السياسي يفتح الباب، والقرار العدلي المختص يحدد الأثر، والرقابة القضائية تحمي الحقوق، وأي حماية ترتبط بزمن الحوار وصفة المشارك تبقي البلاغ السياسي سيفاً مؤجلاً فوق رأس المعارض، وتحوّل المشاركة إلى مخاطرة تتحكم السلطة في بدايتها ونهايتها.
نطالب بمراجعة مستقلة لجميع البلاغات المقيدة على أساس الرأي السياسي والعمل المدني والدعوة إلى وقف الحرب، وشطب ما افتقر إلى البينة والسبب القانوني، وتعويض المتضررين من الإجراءات التعسفية، مع حفظ حقوق أصحاب الحق الخاص، وإخضاع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والفساد الجسيم لمسار عدلي مستقل يمنع المساومة والإعفاء الانتقائي.
إن الحوار الذي يستحق اسمه يبدأ بوقف تجريم المعارضة المدنية، وإطلاق الحريات العامة، وحماية الصحافة والندوات والاجتماعات، وضمان السفر والعودة، وفتح المجال العام لكل المواطنين، سواء شاركوا في الطاولة أو تابعوا أعمالها من خارجها.

> السيدات والسادة أعضاء لجنة الوساطة والآلية الوطنية
تعلنون استقلالكم وانفتاحكم على الجميع، غير أن الاستقلال لا تثبته الأوصاف الذاتية، وتثبته البنية والتمويل والقرارات والمواقف.
لذلك نطلب منكم إعلان أسمائكم كاملة دون اجتزاء أو انتقاء أو إخفاء، والجهات التي رشحتكم، ومحاضر تأسيسكم، ونظامكم الأساسي، ومصادر تمويلكم، وعقودكم، وصلات أعضائكم الحالية والسابقة بمجلس السيادة وحكومة الأمر الواقع والقوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والأحزاب والقوى المساندة للحرب.
ونطلب نشر قواعد اختيار المشاركين، وآلية الاعتراض على التمثيل، وجدول الأعمال، وطريقة اتخاذ القرار، وحدود دور السلطة، وصلاحيات الميسرين، وقواعد حفظ البيانات والتسجيلات، والجهة المالكة للمحاضر، وسياسة النشر، وآلية تنفيذ المخرجات.
كل لجنة تستمد أمنها وتمويلها ومقرها واعتمادها من طرف واحد تحتاج إلى ضمان مؤسسي يمكنها من رفض توجيهه، ونشر مخالفته، ومساءلته أمام الرأي العام، مع استمرار الحماية والموارد.
إذا عجزت الآلية عن إعلان أسمائها وتمويلها وقواعدها، أو امتنعت عن كشف تضارب المصالح، أو قبلت أن تسبقها تعيينات ومجالس وتشريعات تصنعها السلطة، فسوف تتحول وظيفتها من تيسير الحوار إلى تزيين عملية مكتملة النتائج.
تبدأ المصداقية بتوقيع ميثاق علني يقرر استقلال الأمانة، وتعدد مصادر التمويل، ونشر المحاضر والمسودات، وحق المشاركين في الاعتراض، ووجود هيئة تحكيم مستقلة، وصدور تقرير علني عند رفض السلطة أو أي طرف مسلح شرطاً تأسيسياً.

> استحقاقات الحوار المطلوب:
• أولاً، ربط التحضير السياسي بمسار عسكري إنساني متوازٍ، يبدأ بهدنة قابلة للتحقق، وحماية المدنيين، وفتح مسارات الإغاثة، ووقف الهجمات والحصار، وإنشاء آلية مستقلة للتحقيق في الخروق.
• ثانياً، تجميد إنشاء المجلس التشريعي والتعيينات السيادية والتعديلات الدستورية والترتيبات الرئاسية طوال فترة التحضير والحوار، حتى لا تدخل القوى المدنية قاعة التفاوض وقد وزعت السلطة المقاعد وحددت شكل المرحلة مسبقاً.
• ثالثاً، إعلان أهلية المشاركة وفق معايير المواطنة والسلمية والاستقلال عن القيادة المسلحة، مع فصل مسار السلام الذي يضم أطراف القتال عن مسار الانتقال المدني الذي تقوده القوى المدنية غير الخاضعة لأي تشكيل مسلح.
• رابعاً، تمثيل سكان مناطق النزاع وسيطرة الدعم السريع والحركات المسلحة، والنازحين واللاجئين، والنساء والشباب والضحايا والأشخاص ذوي الإعاقة والمجتمعات المحلية، عبر مراكز مشاركة متعددة وتفويضات منشورة وتدقيق مستقل لسجل التمثيل.
• خامساً، حظر استخدام الحوار لمكافأة القوات أو الكتائب أو الحركات بمقاعد سياسية، فالمشاركة في القتال لا تنتج حقاً دستورياً في الحكم، وتخضع جميع التشكيلات المسلحة لخطة جيش مهني واحد، تشمل الحصر والتسجيل والفرز والدمج والتسريح والإصلاح والمساءلة.
• سادساً، وضع سياج دستوري يمنع إعادة ضبط الساعة الانتقالية، ويحسب كل مدة مارس خلالها المسؤول سلطة سيادية أو تنفيذية ضمن حدود الخدمة العامة، ويحظر ترشح قادة الفترة الانتقالية وقادة القوات والتشكيلات المسلحة لأول انتخابات تعقب الانتقال.
لقد تراكمت مقترحات تبدأ بتسعة وثلاثين شهراً، ثم أربع سنوات، ثم خمس سنوات انتقالية، ثم رئاسة خمسية محتملة، وهذا التراكم يكفي لفرض قاعدة عدم الأهلية وحدود المدد قبل انطلاق العملية، من دون انتظار تحول الاحتمال إلى أمر واقع.
• سابعاً، تفكيك شبكات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية داخل الدولة والاقتصاد والإعلام والمؤسسات المسلحة، ومراجعة التمويل والشركات والأصول والاتصالات التنظيمية، مع حماية الحقوق الفردية لكل من لم تثبت صلته بجريمة أو تمويل مسلح أو تقويض دستوري.
التفكيك المطلوب مؤسسي وقانوني، يمنع عودة التنظيم المحلول عبر الكتائب والواجهات والتحالفات والانتخابات التي تتحكم السلطة في مواردها وقواعدها، ويمنع استخدام الاتهام العام لتصفية الخلافات أو الانتقام من المواطنين.
• ثامناً، اعتماد العدالة مساراً مستقلاً عن المساومة السياسية، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود والضحايا، وإنشاء آلية مستقلة لمراجعة البلاغات، ومنع مقايضة السلام بالإفلات من المساءلة أو مقايضة المشاركة المدنية بالتنازل عن حقوق الضحايا.

> إلى الرأي العام السوداني
المعركة الحقيقية لا تدور حول قبول كلمة «الحوار» أو رفضها، وإنما حول من يملك الدعوة والطاولة والمفتاح والأمن والمال والوقت والمخرجات والتنفيذ.
قد يجتمع مئات المشاركين وتبقى العملية مغلقة، وقد تجلس قوى متعارضة وتبقى النتيجة محددة سلفاً، وقد ترفع شعارات الشمول بينما تستبعد مناطق النزاع واللاجئين والضحايا، لذلك تقاس العملية بتوزيع السلطة داخلها، وقدرتها على إلزام الطرف الأقوى، والنتائج التي تمنع استمرار الحرب والاستحواذ.
ندعو القوى المدنية داخل تحالفي صمود وتأسيس وخارجهما، وحزب الأمة القومي، والكتلة الديمقراطية، والقوى النقابية والمهنية، ولجان المقاومة، وغرف الطوارئ، والحركات غير المنخرطة في القتال، ومبادرات النساء والشباب والنازحين واللاجئين، إلى صياغة موقف مدني موحد يقوم على وقف الحرب، والسلطة المدنية، والجيش الواحد، والعدالة، ووحدة السودان، وعدم أهلية قادة الانتقال لأول انتخابات.
المشاركة الفردية المتفرقة تمنح السلطة فرصة شراء المواقف وتفكيك الكتل، والمقاطعة الكاملة تترك المجال للحلفاء والواجهات، لذلك ندعو إلى انخراط مشروط يسنده بديل مدني موحد، وميثاق معلن، ووفد منضبط، وشروط قابلة للقياس، واستعداد للانسحاب المنظم إذا وقع خرق جوهري.

> مطالب عاجلة:
نطلب من قائد الجيش ولجنة الوساطة إصدار رد مكتوب ومعلن على هذه المطالب ليس لشخصي وإنما لكل الجهات التي تتفق وتطالب بالأمر، ونشر أسماء الآلية المعلنة والخفية وسكرتارياتها ووثائق تأسيسها وتمويلها خلال سبعة أيام.
ونطلب إصدار القرارات العدلية المختصة المتعلقة بالبلاغات السياسية، ونشر نطاقها وآثارها وطرق الطعن فيها، قبل إرسال أي دعوات فردية للمشاركة.
ونطلب إعلان تجميد المجلس التشريعي والتعديلات الرئاسية والتعيينات السيادية والتغييرات الوزارية، وربط انطلاق الحوار بهدنة إنسانية قابلة للتحقق، واعتماد قاعدة عدم أهلية قادة الانتقال والقوات المسلحة والتشكيلات المسلحة لأول انتخابات.
ونطلب دعوة القوى المدنية إلى التوافق على وثيقة قواعد قبل اختيار الوفود، حتى تبدأ العملية بعقد ملزم عوضاً عن وعود يمكن تفسيرها أو سحبها.

> السيد قائد الجيش، والسادة أعضاء لجنة الوساطة
إذا كانت الدعوة تستهدف إنهاء الحرب وإعادة السلطة إلى المدنيين، فإن قبول هذه الضمانات يمنحها أساساً قابلاً للدفاع، وإذا رفضت السلطة الإفصاح والتجميد وعدم الأهلية والرقابة المستقلة، فسوف تقدم بنفسها الدليل على أن الغرض ترتيب شرعية جديدة لمركز الحكم القائم.
مطلبنا وطن يخرج من الحرب، ودولة تعود إلى مواطنيها، وجيش مهني واحد يخضع للدستور، وعدالة تحمي الضحايا، وانتقال محدد المهمة والزمن، وانتخابات حرة لا يدخلها من أداروا المرحلة بموارد الدولة المنهوبة ووظائف التمكين والسلاح.

والله من وراء القصد.

عروة الصادق إسماعيل حمدون
مساعد رئيس حزب الأمة القومي لشؤون الشباب
16 أغسطس 2026
orwaalsadig@

Email: orwaalsadig@gmail.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.