الإمارات.. حين تتحول الدبلوماسية إلى جسر للسلام

سيف الدولة كمال

في عالم تتزايد فيه النزاعات المسلحة وتتراجع فيه فرص الحوار، تبرز قيمة الدول التي تختار أن تكون جسوراً للتواصل بدلاً من أن تكون أطرافاً في الصراع. ومن بين هذه التجارب، برز الدور الذي لعبته دولة الإمارات العربية المتحدة في الأزمة الأوكرانية، عبر سلسلة من جهود الوساطة الإنسانية والدبلوماسية، ولا سيما في ملف تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
لقد نجحت الإمارات، وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الإماراتية، في رعاية عشرات عمليات تبادل الأسرى منذ اندلاع الحرب، في إطار سياسة تقوم على بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والعسكرية. وأعلنت أبوظبي في أغسطس 2026 نجاح أحدث جهودها في عملية تبادل جديدة، ليرتفع عدد الوساطات التي قامت بها إلى 26 وساطة، أسهمت في إطلاق سراح 7,997 أسيراً من الجانبين.
ورغم أن هذه المبادرات لم تنهِ الحرب، فإنها أثبتت أن العمل الإنساني يمكن أن يفتح نوافذ للحوار حتى في أكثر النزاعات تعقيداً. فاستعادة آلاف الأسرى إلى عائلاتهم ليست مجرد أرقام، بل قصص إنسانية تعكس أن الدبلوماسية الهادئة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة عندما تتعثر المسارات السياسية.
إن أهمية الدور الإماراتي لا تكمن فقط في عدد الوساطات، وإنما في قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متصارعة يصعب جمعها على طاولة واحدة. وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل من سياسة خارجية سعت إلى ترسيخ صورة الإمارات كوسيط يمكنه التواصل مع مختلف الأطراف، مع التركيز على الملفات الإنسانية التي تمثل أرضية مشتركة.
لقد أثبتت الأزمة الأوكرانية أن السلام لا يُصنع دائماً عبر الاتفاقات الكبرى، بل يبدأ أحياناً بخطوات صغيرة تبني الثقة، مثل تبادل الأسرى، وتأمين الممرات الإنسانية، وتخفيف معاناة المدنيين. ومن هنا اكتسبت الوساطات الإماراتية أهمية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتصبح جزءاً من الجهود الدولية الرامية إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
وفي زمن تتسع فيه رقعة الأزمات الدولية، تبدو الحاجة أكبر إلى نماذج دبلوماسية تضع الإنسان في مقدمة الأولويات. فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من إمكانات اقتصادية أو عسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على تقريب وجهات النظر، وإنقاذ الأرواح، وصناعة مساحات للحوار عندما تسود لغة السلاح.
ولا يعني ذلك أن الوساطة وحدها كافية لإنهاء حرب معقدة مثل الحرب في أوكرانيا، فالتسويات الشاملة تحتاج إلى توافقات سياسية وأمنية واسعة. لكن التجربة الإماراتية تؤكد أن العمل الإنساني يمكن أن يكون نقطة انطلاق مهمة نحو بناء الثقة، وأن الوسيط الموثوق يستطيع أن يحقق تقدماً حتى عندما تبدو الحلول بعيدة المنال.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى دبلوماسية تُعلي قيمة الإنسان، وتبحث عن المشتركات بدلاً من تعميق الانقسامات. وفي هذا الإطار، تمثل الوساطات الإماراتية نموذجاً لدور إقليمي يسعى إلى دعم جهود السلام، وتخفيف المعاناة الإنسانية، والإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار كبديل عن استمرار الصراعات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.