الحكم المدني ضرورة.. وتوسيع المشاركة لقطع الطريق أمام الإخوان

نورا عثمان

بعد سنوات الحرب والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، لم يعد السؤال في السودان متعلقاً فقط بمن يملك السلاح أو من يسيطر على الأرض، وإنما أصبح السؤال الأهم: أي دولة يريد السودانيون أن يبنوا بعد انتهاء الحرب؟
الإجابة التي تفرض نفسها من واقع التجربة السودانية هي أن العودة إلى الحكم المدني الديمقراطي لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة لإنقاذ الدولة من دورة الانقلابات والحروب وإعادة إنتاج الأزمات.
إبعاد القوى المدنية عن صناعة القرار يفتح الباب أمام العسكر والقوى المنظمة ذات المشروع الأيديولوجي لاستعادة نفوذها، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الصراع على السلطة.
لا عودة إلى الماضي
إن قطع الطريق أمام عودة الإسلام السياسي إلى السلطة لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بإقصاء طرف واستبداله بآخر، وإنما ببناء نظام سياسي ديمقراطي تكون فيه الدولة ملكاً للمواطنين، لا تنظيماً أو جماعة أو مؤسسة عسكرية.
المطلوب هو دولة تحكمها المؤسسات والقانون، وتُحسم فيها المنافسة السياسية عبر الانتخابات، وتُصان فيها الحريات وحقوق الإنسان، ويُمنع فيها استخدام مؤسسات الدولة أو القوات النظامية لخدمة مشروع حزبي.
فالمشكلة ليست في حق أي تيار في المشاركة السياسية السلمية، وإنما في تحويل الدولة إلى أداة لتمكين تنظيم سياسي أو فرض مشروعه بالقوة.
صمود أمام اختبار حقيقي
وفي هذا السياق، تواجه القوى المدنية الديمقراطية، وفي مقدمتها صمود، اختباراً سياسياً مهماً: هل تستطيع الانتقال من مجرد الدفاع عن مشروع مدني إلى بناء أوسع تحالف اجتماعي وسياسي قادر على حمل هذا المشروع؟
الإجابة يجب أن تكون نعم، ولكن بشرط أساسي: توسيع مواعين المشاركة.
فالسودان أكبر من أي تحالف سياسي، وأكبر من مجموعة أحزاب أو شخصيات أو واجهات مدنية. هناك قوى سياسية ومدنية، ونقابات ولجان مقاومة، وشباب ونساء، ومهنيون، ومبادرات مجتمعية، وقوى من الأقاليم، وقيادات أهلية، وشخصيات مستقلة، وجميعها يجب أن تجد مساحة حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل.
لا إقصاء باسم المدنية
إذا كانت القوى المدنية تريد بناء دولة ديمقراطية، فعليها أن تبدأ من داخلها.
الديمقراطية لا تعني فقط رفض حكم العسكر أو الإسلام السياسي، بل تعني أيضاً قبول التعدد والاختلاف، والاستماع إلى الأصوات المختلفة، واحترام حق الآخرين في المشاركة، طالما التزموا بالعمل السياسي السلمي وبالدولة المدنية.
ولهذا فإن توسيع المشاركة لا ينبغي أن يكون مجرد إضافة أسماء إلى تحالف سياسي، وإنما تحولاً في طريقة التفكير نفسها: من تحالفات مغلقة إلى جبهة مدنية واسعة، ومن البحث عن قيادة واحدة إلى بناء مؤسسات وقيادات جماعية.
الشباب والنساء والأقاليم
أحد أكبر أخطاء السياسة السودانية كان التعامل مع قطاعات واسعة من المجتمع باعتبارها جمهوراً للتأييد، لا شركاء في صناعة القرار.
الشباب الذين دفعوا ثمناً كبيراً من أجل التغيير يجب أن يكونوا جزءاً أصيلاً من مؤسسات المرحلة المقبلة، والنساء اللاتي كن في مقدمة الحراك المدني يجب ألا يعدن إلى الهامش بعد انتهاء الأزمات.
كذلك لا يمكن بناء سودان جديد من العاصمة وحدها. أصوات دارفور وكردفان والشرق والوسط والشمال والنيل الأزرق وغيرها يجب أن تكون حاضرة في أي مشروع سياسي وطني.
السودان المتعدد لا يمكن أن يحكمه مركز واحد، ولا أن تصنع مستقبله نخبة محدودة.
مواجهة الإسلام السياسي بالصندوق لا بالسلاح
الطريق الأكثر فاعلية لمنع عودة أي مشروع شمولي ليس إلغاء السياسة، وإنما إعادة السياسة إلى المجتمع.
فحين توجد مؤسسات ديمقراطية قوية، وانتخابات نزيهة، وإعلام مستقل، وقضاء مستقل، وقوات مسلحة مهنية لا تتدخل في السياسة، يصبح من الصعب على أي تنظيم أن يعيد إنتاج تجربة السيطرة على الدولة.
أما الإقصاء غير المنظم، فإنه قد يمنح القوى الأيديولوجية فرصة للعودة من الأبواب الخلفية، أو تقديم نفسها باعتبارها ضحية للاستهداف السياسي.
المطلوب إذن هو منافسة سياسية مفتوحة، لكن داخل قواعد واضحة تحمي الدولة المدنية وتمنع استخدام العنف أو مؤسسات الدولة أو المال العام للوصول إلى السلطة.
ما المطلوب من صمود؟
المطلوب من صمود اليوم ليس فقط الحفاظ على تماسكها، وإنما فتح الأبواب أمام أوسع مشاركة مدنية ممكنة.
وهذا يعني الحوار مع القوى السياسية والمدنية المختلفة، وتجاوز الخلافات الثانوية، وإيجاد آليات واضحة لاتخاذ القرار، وإشراك الأصوات القادمة من خارج المركز، وإفساح مساحة أكبر للشباب والنساء، وبناء برنامج وطني يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
فالهدف ليس أن تصبح صمود بديلاً عن المجتمع السياسي، وإنما أن تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الحياة السياسية السودانية على أسس ديمقراطية.
السودان يحتاج إلى عقد جديد
السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الماضي، ولا إلى إعادة تدوير الصراعات القديمة.
يحتاج إلى عقد سياسي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والعدالة، والمحاسبة، واللامركزية، واحترام التنوع، والاحتكار المؤسسي للدولة للسلاح.
والأهم من ذلك كله أن يكون الشعب هو صاحب القرار النهائي في اختيار حكامه.
لقد أثبتت الحرب أن كلفة إقصاء المدنيين عن السياسة أكبر من أن يتحملها السودان مرة أخرى. كما أثبتت السنوات الماضية أن ترك المجال مفتوحاً أمام القوى الأكثر تنظيماً وقدرة على استخدام الدولة لمصالحها يمكن أن يعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
لذلك فإن معركة الحكم المدني ليست معركة حزب ضد حزب، ولا تيار ضد تيار؛ إنها معركة من أجل شكل الدولة ومستقبلها.
وإذا أرادت القوى المدنية قطع الطريق أمام عودة الإسلام السياسي وأي مشروع شمولي، فعليها أن تبدأ بتوسيع الطريق أمام السودانيين جميعاً للمشاركة في بناء البديل الديمقراطي.
فالديمقراطية التي تُقصي الآخرين لن تكون ديمقراطية مكتملة، والحكم المدني الذي لا يستند إلى قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة سيظل هشاً أمام محاولات الانقلاب عليه.
السودان يحتاج إلى مدنية واسعة لا مدنية ضيقة، وإلى مشاركة لا إقصاء، وإلى دولة تسع الجميع ولا تخضع لأحد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.