في الفضاء السياسي والمدني السوداني، أصبح الخطاب العام مثقلاً بلغة التخوين والشتائم والمصطلحات الجاهزة. عبارات مثل «عملاء السفارات»، و«قحاتة»، و«جنجويد» تحولت، في كثير من الأحيان، إلى أدوات سهلة لتشويه الخصوم، بدلاً من أن تقوم النقاشات السياسية على الحجج والبرامج والمواقف.
لكن المفارقة تبدأ عندما نتوقف قليلاً أمام بعض الذين يوزعون صكوك الوطنية ويتحدثون باسم «السيادة»، ثم نراجع تاريخ التيارات التي ينتمون إليها ومواقفها السياسية، لنجد أن بعضها ارتبط، في مراحل مختلفة، بمحاور إقليمية ودولية، أو استفاد من أنظمة شمولية، أو تعامل مع الخارج بمنطق يخدم بقاء السلطة أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية.
مرآة العيوب.. حين ترتدي الوصاية ثوب الوطنية
أصبحت تهمة «العمالة» أحياناً وسيلة للهروب من الأسئلة الحقيقية.
فمن السهل أن تقول عن خصمك إنه «عميل سفارات»، لكن الأصعب أن تشرح للناس: ما مشروعك الوطني؟ كيف تحمي استقلال القرار السوداني؟ ماذا قدمت عندما كنت في موقع السلطة؟ وكيف تعاملت مع التدخلات الخارجية عندما كانت تخدم مصالحك السياسية؟
السيادة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المنابر، ولا جلباباً سياسياً يُرتدى عند مهاجمة الخصوم. السيادة موقف وممارسة، تبدأ من احترام إرادة الشعب، واستقلال مؤسسات الدولة، ورفض تحويل السودان إلى ساحة نفوذ للمحاور الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن السؤال المشروع ليس فقط: من يتلقى دعماً من الخارج؟ بل أيضاً: من جعل القرار الوطني رهينة لمصالح السلطة أو المحاور؟
الإفلاس السياسي.. عندما يصبح التخوين بديلاً عن المشروع
حين يعجز السياسي عن تقديم إجابات مقنعة حول الاقتصاد، والحرب، والسلام، والدولة، والعدالة، وإعادة بناء المؤسسات، يصبح من السهل عليه أن يبحث عن عدو جاهز.
وهنا تتحول الساحة السياسية إلى معركة شعارات: هذا «عميل»، وذاك «خائن»، وآخر «مرتبط بالخارج».
والنتيجة أن المواطن يضيع وسط الضجيج، بينما تختفي الأسئلة الأكثر أهمية: من يتحمل مسؤولية الانهيار؟ لماذا اندلعت الحرب؟ لماذا فشلت الدولة في حماية مواطنيها؟ وكيف يمكن بناء دولة تمنع تكرار هذه الكارثة؟
الخطاب التخويني لا يقدم إجابة عن أي من هذه الأسئلة، بل يساهم في إبعاد النقاش عن جوهر الأزمة، وتحويل السياسة من صراع مشاريع إلى صراع هويات واتهامات.
نقد القوى المدنية لا يعني شيطنتها
وفي المقابل، فإن مواجهة خطاب التخوين لا تعني منح القوى المدنية حصانة من النقد.
على القوى المدنية أن تراجع تجربتها بجرأة، وأن تعترف بأخطائها، وأن تسائل نفسها عن أسباب إخفاقاتها، وعن علاقتها بالجمهور، وعن قدرتها على تقديم مشروع سياسي يتجاوز النخب إلى المواطن العادي.
النقد الموضوعي ضرورة، والمراجعة السياسية ليست خيانة.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين نقد تجربة سياسية بهدف تصحيح مسارها، وبين استخدام الأخطاء ذريعة لشيطنة العمل المدني والديمقراطي بأكمله.
كما أن رفض الشمولية لا يعني أن كل من يرفع شعار الديمقراطية معصوم من الخطأ، تماماً كما أن الحديث عن السيادة الوطنية لا يمنح أي تيار حق احتكار الوطنية.
لمن السيادة؟
السيادة ليست ملكاً لحزب، ولا لجماعة، ولا للمؤسسة العسكرية، ولا للقوى المدنية، ولا لأي محور إقليمي.
السيادة ملك للشعب.
والدولة ذات السيادة هي التي يكون قرارها نابعاً من مصالح مواطنيها، لا من رغبات الخارج، ولا من حسابات النخب، ولا من رغبة أي طرف في الاحتفاظ بالسلطة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه الجميع هو:
من يدافع عن سيادة السودان فعلاً؟ ومن يستخدم شعار السيادة لحماية مصالحه السياسية؟
هذا السؤال يجب ألا يكون موجهاً إلى طرف واحد، بل إلى الجميع.
معركة السودان الحقيقية.. معركة الوعي
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التخوين، بل إلى مزيد من التفكير.
لا يحتاج إلى مواطن يسأل: «أنت مع من؟»، بقدر ما يحتاج إلى مواطن يسأل: «ما مشروعك؟ وما الذي ستقدمه للبلد؟ ومن أين تحصل على دعمك؟ وما حدود علاقتك بالخارج؟ وما موقفك من استقلال القرار الوطني؟»
المخرج لن يكون في استبدال خطاب تخويني بخطاب تخويني آخر، وإنما في بناء فضاء سياسي يسمح بالنقد والمساءلة، ويضع الجميع أمام معيار واحد.
فالوطنية ليست بطاقة عضوية، والسيادة ليست شعاراً، والديمقراطية ليست حصانة من النقد.
وفي النهاية، ستبقى مصلحة السودان هي الاختبار الحقيقي لكل خطاب، وكل تحالف، وكل سلطة، وكل مشروع سياسي.
فالسيادة التي لا تحمي إرادة الشعب ليست سيادة، والوطنية التي تخاف من الأسئلة ليست وطنية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.