البرهان.. القائد الذي دمّر السودان ثم احتمى بخطاب المؤامرة

بقلم :أ.صفاء الزين 

 

 

جاء حديث عبدالفتاح البرهان أمس عن احتمال فرض عقوبات على السودان بالتزامن مع تأكيده أن ( معركتنا ما انتهت ولن تنتهي إلا بنهاية التمرد) ليكشف مرة أخرى عن طبيعة الخطاب الذي تتمسك به السلطة: حرب بلا نهاية وخصم دائم وعدو خارجي جاهز لتحميله مسؤولية كل شيء

هذه لغة رجل يريد أن يجعل من استمرار الحرب شرطاً لبقاء سلطته ومن الخوف وسيلة لإسكات أي حديث عن السلام والمساءلة

البرهان يعرف جيداً أن الحديث عن ( أعداء السودان ) أسهل كثيراً من مواجهة الحقيقة فحين تصبح السلطة تحت الضغط يصبح اختراع العدو الخارجي ملاذاً آمناً وحين تقترب المساءلة يجري تقديم نقد السلطة وكأنه عداء للوطن

لكن البرهان ليس السودان

والأخطر أن البرهان يتحدث عن العقوبات وكأنها مواجهة بين الخارج والسودان من دون أن يكترث بما يمكن أن تتركه هذه العقوبات من آثار على البلاد فالعقوبات حين تُفرض بسبب سياسات البرهان وكيزانه أو بسبب قرارات اتخذوها لإدارة الحرب قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد ومؤسسات الدولة وحياة المواطنين والسودانيون هم من يدفعون جانباً من كلفتها ومع ذلك يواصل البرهان خطاب التصعيد وكأن العقوبات ثمن مطلوب دفعه في معركة لا نهاية لها ثم يقدمها للسودانيين باعتبارها استهدافاً للوطن وهنا تكمن المفارقة البرهان وكيزانه يغامرون بمصالح السودان ثم يطلبون من السودانيين أن يروا العقوبات الناتجة عن سياساتهم باعتبارها عدواناً على البلاد

الأكثر فجاجة أن البرهان يتحدث عن «نهاية التمرد» أي أنه يرى السودان ساحة معركة تنتهي بإبادة الخصم أو إخضاعه فالرجل لا يترك نافذة للسلام وهو يريد أن يجعل وقف القتال هزيمة والتفاوض خيانة والعقوبات عدواناً والحسم العسكري بطولة هذه إدارة للأزمة بمنطق الحرب

والأخطر أن الإسلاميين هم الذين أشعلوا هذه الحرب سعياً إلى العودة إلى السلطة بعد أن أسقطتهم ثورة ديسمبر فالحرب بالنسبة إليهم طريق لإجهاض التحول المدني وإعادة السيطرة على الدولة عبر القوة والسلام الحقيقي يضعهم أمام استحقاقات سياسية وقانونية ويفتح ملفات ما قبل الحرب ويضع الذين خططوا لها ودفعوا البلاد إليها أمام المساءلة لذلك تصبح الحرب وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بالقوة والبرهان بدلاً من أن يخرج من هذه الدائرة اختار أن يكون جزءاً منها

ثم يأتي البرهان ليتحدث عن «أعداء السودان» الذين يريدون «تركيع البلاد» أي قلب للحقائق أكثر من هذا السودان رُكّع بالحرب السودانيون الذين أصبحوا نازحين يبحثون عن الطعام والدواء فقدوا بيوتهم وأعمالهم وأمنهم بسبب حرب السلطة وليس بسبب مؤامرة خارجية

البرهان يريد أن يوجه غضب السودانيين إلى الخارج حتى لا يعود الغضب إلى مصدره الحقيقي يخيفهم من العقوبات لكنه لا يخيفهم من استمرار الحرب يحذرهم من تركيع السودان لكنه لا يتحدث عن السودان الذي انحنى تحت ثقل النزوح والجوع والدمار ويتحدث عن كرامة البلاد بينما ملايين السودانيين فقدوا أبسط شروط الحياة الكريمة

البرهان يريد أن يقول للسودانيين إن عوقبنا فقد عوقب السودان وهنا يجب أن يكون الرد واضحاً لا إذا عوقبت سلطة أو مسؤولون بسبب الحرب أو الانتهاكات أو السياسات التي قادت إلى الكارثة فهذا لا يعني معاقبة السودان السودان هو الشعب وليس الرجل الجالس في القصر ولا المجموعة التي تحيط به ولا الحركة الإسلامية التي تحاول استعادة نفوذها عبر الحرب

الوطنية لا تعني أن تمنح الحاكم حصانة من النقد والمساءلة الوطنية أن تنقذ شعباً من الحرب أن توقف النزيف أن تفتح الطريق أمام السلام وأن تعترف بالمسؤولية حين تكون القرارات قد أوصلت البلاد إلى الكارثة

أما أن يصر البرهان على أن «المعركة ما انتهت» فهو لا يدافع عن السودان بقدر ما يدافع عن استمرار المعادلة التي أبقته في السلطة لقد أصبح الرجل أسيراً للخطاب الذي صنعه لنفسه كلما طال أمد الحرب احتاج إلى مزيد من التعبئة وكلما فشلت الحرب احتاج إلى عدو جديد وكلما اقتربت المساءلة احتاج إلى مؤامرة أكبر وهكذا يتحول الفشل إلى بطولة والعزلة إلى حصار خارجي والضغط الدولي إلى عدوان والحرب إلى قدر محتوم

لكن لا شيء يستطيع أن يمحو الحقيقة البرهان رجل في قلب سلطة عجزت عن حماية السودان ثم اختارت استمرار الحرب بدلاً من البحث عن مخرج سياسي ووجدت في خطاب المؤامرة وسيلة للهروب من استحقاقات الفشل والمساءلة

وكلما اقترب السلام اقتربت معه نهاية النفوذ الذي تحتمي به القوى التي ترى في الحرب فرصة للعودة إلى السلطة لذلك يبدو البرهان أكثر تمسكاً بالحرب كلما ازدادت كلفتها على السودان لأن الاعتراف بالكارثة يعني الاعتراف بفشل المشروع الذي يقوده

فالخطر الأكبر على السودان أن يظل رهينة لقائد يصر على الحرب وحركة إسلامية أشعلت الحرب من أجل العودة إلى السلطة ونظام سياسي يحاول تحويل كل مساءلة إلى مؤامرة وكل اعتراض إلى خيانة

لقد دمّر البرهان السودان ثم احتمى باسمه أشعل خطاب الحرب ثم احتمى بشعار الوطنية واجه الضغوط ثم احتمى بالمؤامرة والآن يريد أن يقنع السودانيين بأن من يحاسبه إنما يحاسب السودان

لكن السودان أكبر من البرهان وأبقى من الحركة الإسلامية وأهم من أي سلطة تخشى السلام أكثر مما تخشى استمرار الحرب

البرهان ليس حامياً للسودان من مؤامرة خارجية البرهان سبب هذه المأساة التي يعيشها السودان وكلما أصر على استمرار الحرب كشف أكثر عن عجزه عن تقديم شيء لهذا البلد سوى المزيد من الخراب

إنه القائد الجبان الذي دمّر السودان ثم احتمى بخطاب المؤامرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.