واشنطن لم ترفض الحوار.. نزعت من البرهان حق هندسة الشرعية

عروة الصادق

المعركة الحقيقية تدور حول مَن يكتب قواعد دولة ما بعد الحرب، ومَن يملك منح نتائج الحوار قابلية الاعتراف والتمويل والتنفيذ

العبارة الرائجة تقول إن واشنطن رفضت مبادرة عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني، العبارة جذابة، سريعة، وتصلح لعناوين المنصات للأثارة، غير أنها تضيّع المعنى السياسي الأثقل، لأن الخارجية الأميركية لم تصدر بيانًا يحمل عنوان «رفض مبادرة البرهان»، ولم تغلق باب الحوار السوداني. ما فعلته أدق وأشد أثرًا: قبلت أصل الفكرة، ثم وضعت شروطًا تسحب من صاحب المبادرة ثلاثة مفاتيح تمنحه السيطرة على مسارها؛ قيادة العملية، ومكان انعقادها، وتعريف مَن يشارك فيها.
قال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن بلاده مستعدة لدعم حوار سوداني «حقيقي وشامل تقوده قوى مدنية»، ينعقد في مكان تتفق عليه الأطراف، ويضم طيفًا واسعًا من السودانيين، بمن فيهم النازحون داخل البلاد واللاجئون خارجها، وهذه الكلمات القصيرة تهدم المعمار الذي أراد البرهان تشييده من دون أن تهدم فكرة الحوار نفسها. القيادة المدنية تنزع سلطة التصميم من القيادة العسكرية، والمكان المتفق عليه يلغي احتكار الخرطوم للقاعة والأمن وإجراءات الدخول. مشاركة النازحين واللاجئين تعيد تعريف الشعب السياسي الذي يملك تفويض الدولة المقبلة.
هنا يقع الفارق بين الرفض المباشر والقبول المشروط، فالرفض يترك المبادرة لصاحبها ويمنحه فرصة مخاطبة الداخل باعتباره ضحية تدخل خارجي. القبول المشروط يدخل إلى قلب المبادرة، يعيد ترتيبها، ويربط الاعتراف بمخرجاتها بمدى تغيير بنيتها. واشنطن قالت للبرهان عمليًا: يمكنك الدعوة إلى الحوار، ويمكنك فتح القاعات، أما إنتاج شرعية قابلة للتصدير إلى العالم فله شروط أخرى.

> ثلاثة مفاتيح وراء لافتة واحدة
طرح البرهان حوارًا يبدأ داخل السودان، وتوفر له الدولة الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية، مع حصانة إجرائية مؤقتة تتصل بالبلاغات وحصانة دائمة للآراء التي تطرح داخل الجلسات، وربط العملية باستكمال مؤسسات الحكم وتكوين المجلس التشريعي، ثم الوصول لاحقًا إلى الانتخابات، ويخادمه في ذلك جمهرة من الساسة والنشطاء، وظاهر العرض انفتاح. بنيته العميقة تمنح السلطة القائمة يدًا طويلة في اختيار البيئة، وحماية المشاركين، وتحديد أثر النتائج، ثم ترجمتها إلى مؤسسات منشأة تحت سيطرتها.
تبدو الحصانة هدية سخية، غير أن السؤال الجاد يبدأ بعد الهدية: مَن يملك البلاغ أصلًا؟ ومَن يعلقه؟ ومَن يعيده بعد انتهاء الجلسات؟ الحماية التي يمنحها طرف قادر على سحبها تبقى أداة ضبط أكثر من كونها حقًا. الدولة القانونية لا تستدعي خصومها إلى قاعة يسيطر عليها جهازها الأمني ثم تقدم سلامتهم كمنحة من القائد؛ الدولة القانونية تضع ضمانات مستقلة يستطيع الخصم الاحتجاج بها على القائد نفسه.
ثم جاء وزير الخارجية محيي الدين سالم من منصة سعودية “الحدث” وهو المتحدث باسم الحزب المحلول في الخارجية وأحد عناصر الحركة الإخوانية الذين ابتعثهم البرهان من كشوفات التفكيك، وكشف موضع سالم بسزاجة الخلاف بلا زخرفة، وأعلن قرب الحوار، ودعا الراغبين إلى الحضور داخل السودان خاصة أولئك الذين زاملهم في الخارجية، ورفض «الحلول الجزئية» التي تفصل الهدنة ووقف النار والملف الإنساني عن التسوية الكاملة، بذلك انتقل النزاع من النقاش حول الحوار إلى الصراع على ترتيب الخطوات: بورتسودان تريد عملية سياسية تنطلق تحت سلطتها، ثم تعالج الحرب ضمن تسوية شاملة؛ واشنطن تريد وقفًا إنسانيًا قابلًا للرقابة يسبق العملية السياسية ويغيّر بيئتها.
وبعد يومين، أعلن البرهان أن المعركة ستستمر حتى نهاية التمرد، وتوقع عقوبات جديدة، والتصريح لا يساوي وثيقة رفض رسمية للوساطة؛ لكنه يحدد ترتيب أدوات القيادة: الميدان أولًا، والحوار داخل شروط السلطة، والتفاوض مع الخارج تحت ضغط الوقائع. كما يكشف أن بورتسودان تتوقع انتقال الرد الأميركي من البيانات إلى الشبكات المالية والتسليحية المحيطة بها.
الترتيب هنا سياسة مكتملة، والطرف الذي يملك البوابة الأولى يستطيع التأثير في كل ما بعدها، وإذا بدأ المسار بتكوين لجنة ومؤسسات ومجلس تشريعي تحت مظلة السلطة القائمة، تصبح الهدنة بندًا داخل نظام سياسي أخذ يتشكل. وإذا بدأ بهدنة ورقابة ووصول إنساني وانسحابات مرحلية، تدخل السلطة نفسها إلى التفاوض قبل أن تنجز هندسة المؤسسات. لهذا تبدو الكلمات الإجرائية صغيرة في نشرات الأخبار، بينما تعمل في الواقع كقواعد تأسيس للدولة.

> العاصمة ورقة قوة، لا صك تأسيس
يحاول البرهان تحويل سيطرة الجيش على الخرطوم، وعودة أجهزة الدولة، واستمرار الاعتراف الدبلوماسي بالحكومة، إلى حجة سياسية تقول إن السلطة موجودة والعاصمة عادت، ومن ثم يمكن بدء الحوار تحت إدارتها، للحجة وزن حقيقي، والسيطرة على العاصمة تمنح قدرة إدارية، ورمزية سيادية، وقنوات اتصال، ومؤسسات قادرة على إصدار القرارات. تجاهل هذا الوزن يُنتج تحليلًا هاربًا من الوقائع.
غير أن السيطرة العسكرية لا تمنح صاحبها حقًا منفردًا في كتابة عقد الدولة المقبلة. زالعاصمة مركز سلطة، والسودان أكبر من العاصمة. والحرب مستمرة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، وشبكات الإمداد والذهب والسلاح تعبر الحدود، ونحو أربعة عشر مليون سوداني أُجبروا على الفرار داخل البلاد وخارجها منذ بدء الحرب. عندما تجعل سلطة واحدة المساحة التي تديرها مساوية للوطن كله، فهي تطلب من المهجّرين الاعتراف بقاعة لم يختاروها، وتطلب من المناطق الواقعة خارج سيطرتها قبول نتائج عملية لم تملك شروط الدخول إليها.
الرسالة الأميركية في جوهرها واضحة: مَن يملك الأرض والسلاح يستطيع فرض وقائع، لكنه لا يملك وحده تحويل تلك الوقائع إلى شرعية دائمة. الاعتراف بالدولة شيء، ومنح القيادة العسكرية تفويضًا تأسيسيًا شيء آخر. هذه هي المساحة التي تحاول بورتسودان دمجها، وتحاول واشنطن فصلها.

> خطتان لدولة واحدة
الورقة الأميركية المحدثة ترتب المسار على نحو معاكس لأنها تبدأ بهدنة إنسانية شاملة لمدة تسعين يومًا، ثم آلية رقابة تشارك فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، مع ترتيبات للوصول الإنساني وحماية المدنيين وتسوية النزاعات ومتابعة الانسحابات. تُستخدم الهدنة للتفاوض على وقف دائم للنار وترتيبات أمنية، ثم تنطلق عملية سياسية مدنية واسعة تقود إلى حكومة انتقالية، وبعدها يأتي التعافي الاقتصادي وصندوق إعادة الإعمار.
قبلت الحكومة السودانية معظم الهيكل، واشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023م، الشرط مفهوم من زاوية الأمن والسيادة وحماية السكان، لكنه يحمل أثرًا تفاوضيًا واضحًا: مطالبة الخصم بالتخلي عن أهم أوراقه الميدانية قبل بدء الهدنة. في المقابل، تجميد الخطوط الراهنة بلا انسحابات يثبت مكاسب السلاح ويمنح الدعم السريع عائدًا سياسيًا من الحرب.
المعالجة الجادة تحتاج جدولًا مرحليًا يبدأ بالمستشفيات والأسواق والأحياء عالية الكثافة، ونقاط تجميع معلنة، وخرائط انتشار، ومراقبين ذوي صلاحية، وآلية تحقق دولية مستقلة تستطيع تسمية الطرف الذي يخرق التزامه.
هذا هو الفراغ الذي تتغذى عليه الحرب. وكل طرف يطلب من الآخر أن يدفع مقدم التسوية كاملًا: الجيش يريد انسحابًا واسعًا قبل الهدنة، والدعم السريع يستخدم الهدنة لتثبيت نفوذه، والقوى المدنية تطالب بمسار مستقل من دون امتلاك أدوات حماية، والوسطاء يعرضون مبادئ عامة ويتركون هندسة التنفيذ للمرحلة اللاحقة. ثم تأتي المرحلة اللاحقة محملة بالرصاص نفسه.

> مَن يريد ماذا؟
البرهان يريد تحويل التفوق الميداني النسبي وعودة العاصمة إلى تفويض سياسي، وحماية وحدة الجيش وموقع القيادة، ومنع تسوية تعيد الدعم السريع إلى الدولة بشروط مريحة. وداخل هذا الهدف توجد معضلة: المؤسسة العسكرية تحتاج شرعية مدنية كي تستعيد التمويل والعلاقات الطبيعية، بينما تخشى قيادتها أن تنتج العملية المدنية سلطة تقيد الجيش وتفكك شبكات النفوذ التي نمت حوله خاصة وأن كل القوى المدنية تنادي بهيكلة وإصلاح هذا الجيش الذي أثبت بسلوكه وممارساته ومواقفه أنه أبعد ما يكون عن الاحترافية والمهنية.
الحركة الإسلاموية وشبكات النظام السابق وكتائبه المتطرفة تريد حماية وجودها داخل أجهزة الدولة ومعسكر القتال، ثم تحويل مساهمتها العسكرية إلى عودة سياسية ومؤسسية. وشعار «عدم الإقصاء – لا يستثني أحد» يمنحها غطاء لغويًا جذابًا؛ فالناس تنفر من الإقصاء، والعبارة تبدو أخلاقية، وللأسف هناك قوى مدنية ونخب يريدون شرعنة وضع تحت هذا الشعار للتنظيم والحركة وواجهاتهما. لكن هذه المشاركة ستصبح طريقًا خلفيًا للعودة إذا غابت معايير المسؤولية الفردية، وكشف التمويل، وحظر الأجنحة المسلحة، وفحص الارتباط بالكيانات المدرجة في قوائم العقوبات.
القوى المدنية تريد منع احتكار العسكر للمشهد، غير أن تشتتها وضعف مواردها وخلافاتها حول الحرب يمنح الأطراف المسلحة قدرة كبيرة على اختيار المدنيين المريحين ثم تقديمهم كواجهة. وأخطر ما قد يحدث أن تصبح «القيادة المدنية» صفة شكلية؛ أسماء بلا سلطة على جدول الأعمال ككامل إدريس، ولا قدرة على حماية المشاركين، ولا يد في اختيار المقر أو المراقبين أو قواعد التصويت.
الدعم السريع يريد البقاء كيانًا عسكريًا وسياسيًا حاضرًا في أي تسوية، والحفاظ على أوراق الأرض والموارد والعلاقات الخارجية ومن خلفه تحالف سياسي عريض لا تقل تطلعاته عن تطلعات القوى الأخرى. غير أن سجل الفظائع، وتحديد الولايات المتحدة وقوع إبادة جماعية، والعقوبات على قائده وشبكاته، تضع سقفًا ثقيلًا فوق أي محاولة لتحويل السيطرة الميدانية إلى شرعية مفتوحة. وواشنطن لا تبحث عن استبدال البرهان بحميدتي؛ إنها تقول أنها ترغب في منع الطرفين من تحويل قوة السلاح إلى حق دائم في حكم السودان.
أما الولايات المتحدة فتريد وقف الحرب، وتقليص التسليح الخارجي، ومنع عودة شبكات متطرفة إلى قلب الدولة، وحماية وحدة السودان، وإنتاج سلطة مدنية تستطيع المؤسسات الدولية التعامل معها، ولا تحتاج واشنطن إلى إسقاط البرهان كي تحقق ذلك، لأنها قد تقبل به طرفًا عسكريًا يوقع وقف النار والترتيبات الأمنية، وترفض في الوقت نفسه منحه موقع المهندس السياسي للدولة، وفي تقديري أن مسألة الموارد تلعب دورها في تحرك الولايات المتحدة رغبة في الاستحواز عليها وتوسيع رقعتها. وهذه المنطقة الرمادية تفسر الموقف أكثر من سردية «واشنطن مع الجيش» أو «واشنطن مع الدعم السريع».

الإسلاميون: حيث تتحول المشاركة إلى ملف قانوني
في 9 مارس 2026م أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «الحركة الإسلامية السودانية» وأسماءها القانونية المرتبطة بها، كما أدرج كتيبة البراء بن مالك كاسم مرتبط بالكيان، مع آثار تشمل العقوبات الثانوية. ثم دخل تصنيف المنظمة الإرهابية الأجنبية حيز النفاذ في 16 مارس.

ولأن الدقة هنا واجبة: النص القانوني لا يصنف كل إسلامي، ولا كل عضو سابق في المؤتمر الوطني، ولا كل حزب ذي مرجعية دينية بصورة آلية. والتوسع غير المنضبط يضعف صدقية أي حديث ويمنح الخصم ثغرة مجانية، خاصة أن هنالك إسلاميين ضد مشروع الحرب وعسكرة الدولة.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تدخل إلى العملية واجهة يملكها كيان مدرج أو يسيطر عليها، أو عندما يقدم شخص أو شركة أو حزب أموالًا أو خدمات أو دعمًا ماديًا لذلك الكيان، أو تمر المعاملة عبر ولاية قضائية أميركية. عندها ينتقل الخلاف من سؤال سياسي حول الشمول إلى منظومة مكافحة الإرهاب والامتثال المصرفي والعقوبات الثانوية. البنوك وشركات التأمين والموردون لا ينتظرون حكمًا سياسيًا طويلًا؛ تكفيهم إشارة مخاطرة كي يغلقوا الباب، ويمكن حينئذ للسياسة أن تغيّر اسم الواجهة، أما نظام الامتثال فيسأل عن المالك والمسيطر والممول. اللافتة الجديدة لا تغسل شبكة قديمة.
الحل المنضبط لا يقوم على إقصاء جماعي فضفاض. المطلوب قواعد فردية وقابلة للتحقق: كشف المصالح والتمويل، حظر الأجنحة المسلحة، استبعاد مَن تثبت مسؤوليته عن الفظائع أو التحريض أو الدعم المادي لكيان مدرج، وضمان حق الطعن أمام جهة مستقلة. وبهذه القواعد تُحمى العملية من التطرف ومن الانتقام السياسي الذي يرتدي ثوب القانون في الوقت نفسه.
العقوبات حول البرهان أهم من عقوبة جديدة عليه
البرهان خاضع للعقوبات الأميركية منذ 16 يناير 2025م. لذلك لا يملك تكرار اسمه في قائمة جديدة الأثر نفسه الذي كان سيملكه قبل الإدراج. وساحة الضغط الأوسع تقع حوله: الشركات، ومنظومة الصناعات الدفاعية، والمصارف، والوسطاء، والموردون، وشركات النقل والتأمين، وشبكات الذهب، وكل جهة تساعد أطراف الحرب على الشراء أو التجنيد أو تجاوز القيود. وفي يونيو 2026م استهدفت الخزانة الأميركية أفرادًا وكيانات مرتبطة بشبكات شراء وتجنيد تخدم طرفي الحرب منهم ذراع البرهان اليمنى الفريق ميرغني إدريس، ودعت إلى هدنة فورية غير مشروطة لمدة ثلاثة أشهر.
العقوبة الذكية لا تحتاج أن تمنع الصفقة بقرار علني. يكفي أن ترفع كلفة الشحنة، وتطيل زمنها، وتدفع شركة التأمين إلى الانسحاب، وتجعل المصرف المراسل يطلب وثائق إضافية، وتحوّل الوسيط إلى طالب علاوة مخاطر. عندها يصبح السلاح أغلى من الورق الذي يصفه، وتبدأ شبكة الحلفاء نفسها في حساب المسافة الآمنة من المعسكر.
ويأتي ملف السلاح الكيميائي ليضيف طبقة أشد اتساعًا. والتسلسل الدقيق يبدأ بقرار أميركي في 24 أبريل 2025م، وإشعار أول نُشر في 27 يونيو 2025م، ثم قرار بعقوبات إضافية في 23 يونيو 2026م نُشر ودخل حيز النفاذ في 20 يوليو. الأثر الأهم يفرض على الحكومة الأميركية معارضة القروض والمساعدة المالية أو الفنية للسودان عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف، مع استثناء الاحتياجات الإنسانية الأساسية. هذه أداة ضغط على الدولة ومرحلة التعافي، ولا تنحصر في شخص البرهان.
أما الاتحاد الأوروبي فاتخذ مسارًا قانونيًا منفصلًا في 13 يوليو 2026م، فحظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني، وقيّد تصدير الزئبق والسيانيد والخدمات المرتبطة بهما. النتيجة تتقاطع مع الضغط الأميركي على اقتصاد الحرب، والقانون مختلف. الخلط بين المسارين يريح الخطابة ويؤذي التحقق.

> إعادة الإعمار أداة سياسية قبل توقف القتال
المال هنا جزء من معادلة السلطة. تستطيع بورتسودان بدء مشروعات ثنائية مع السعودية ومصر وتركيا والصين ودول أخرى؛ طريق، ميناء، محطة كهرباء، دعم سلعي، أو تمويل محدود. غير أن التعافي الوطني الواسع يحتاج تخفيف ديون، ومصارف مراسلة، وتأمينًا، واستثمارات طويلة الأجل، وتمويلًا متعدد الأطراف، وضمانات سياسية وقانونية. هذه الأبواب تتحسس شكل السلطة التي ستوقع العقود وتحميها.
لهذا وضعت الورقة الأميركية صندوق إعادة الإعمار بعد الهدنة والوقف الدائم والترتيبات الأمنية والعملية المدنية. الرسالة قاسية وبسيطة: لا تمويل واسعًا لدولة تعيد إنتاج شروط الحرب داخل مؤسساتها الجديدة. ومن يظن أن المال سيأتي لإنقاذ أي سلطة تسيطر على العاصمة يتجاهل أن المستثمر يشتري قابلية التنبؤ، لا أعلام النصر ودوننا وزير المالية المعاقب والذي يعرقل اليوم كل دعم يمكن أن يصل لإنعاش اقتصاد الحرب المنهك.
ربط الإعمار بالتحول قد يتحول إلى عقاب للسكان إذا أُدير بخشونة. لذلك ينبغي الفصل بين تمويل إنقاذ الناس وتمويل تطبيع السلطة. لأن الصحة والغذاء والمياه والتعليم وشبكات الأمان يمكن تنفيذها عبر قنوات أممية ومجتمعية مستقلة؛ أما القروض السيادية، وإعادة هيكلة الديون، والاستثمارات الكبرى، فتحتاج إطارًا مدنيًا ذا صدقية ووقفًا مستدامًا للقتال. هكذا لا يدفع المواطن ثمن الصراع على الشرعية، ولا تحصل السلطة على شيك مفتوح باسم معاناته.

> الإقليم هو مترجم الضغط الأميركي
واشنطن تستطيع إصدار العقوبات وصياغة المبادئ، لكنها لا تستطيع فرض تسوية سودانية من مكتب بعيد. وتحتاج إلى السعودية ومصر والإمارات، وإلى الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. كل شريك يحمل حساباته الخاصة، وقد تتقاطع الحسابات في بند وتتعارض في بند آخر.
مصر تزعم أنها تريد دولة موحدة وجيشًا مركزيًا، وتخشى صعود الدعم السريع والشبكات الإسلامية المسلحة بقدر خشيتها من انهيار السودان على حدودها ومجرى النيل، ولكنها تريد من تستخدمهم لحماية مصالحها وشبكاتها الموروثة منذ الاستعمار. السعودية تريد أمن البحر الأحمر، ووقف حرب تستنزف المجال الإقليمي، وحماية دور جدة، وتقليل سباق التسليح، ولكنها تتضاد في إدارة الملف وانتقلت للانحياز بعد تعيين نائب ويزر الخارجية الحالي. وقد أظهرت قدرتها على التأثير عندما طلبت، عندما وقف صفقة سلاح وطائرات باكستانية للجيش السوداني بقيمة 1.5 مليار دولار، ولكن الأخبار والأرض تقول بأن الصفقة وصلت أسلحتها للخرطوم.
أما الإمارات تدفع نحو عملية مدنية خالية من هيمنة الإسلاميين، وتحمل فوق ذلك اتهامات بدعم الدعم السريع تنفيها إجمالا ولكن هناك شواهد كثيرة تحتاج التقصي؛ وهو ما يجعل دورها مطلوبًا ومثار نزاع في اللحظة نفسها خاصة أن جماعات النظام السابق وواجهاته المتطرفة لا تريد أي دور إماراتي. وتركيا تملك قناة دفاعية وتجارية وسياسية مع بورتسودان، وتستطيع توفير دعم وتدريب وموازنة دبلوماسية، غير أن قدرتها على تعويض النظام المالي متعدد الأطراف محدودة، والوضع التركي ينبيء بانفجار وشيك قد يشغلها عن ملفات بالنسبة لها ثنائية كالملف السوداني.
إسرائيل قناة تاريخية ومتجددة يحاول النظام الاستفادة منها؛ لقاء البرهان ونتنياهو عام 2020م والاتصالات الأمنية اللاحقة يثبتان وجودها.ولكنها لا تؤيد الآن الشروط الأميركية أو تفضل البرهان بصيغة معلنة، ولكنها تريد معرفة ما يمكن أن يدفعه البرهان ويندفع نحوه ليحقق لنيتنياهو ما يريد.
المعركة الدبلوماسية الأهم ستجري في الرياض والقاهرة. إذا استطاعت بورتسودان إقناع الدولتين بأن الانسحاب الكامل للدعم السريع يجب أن يسبق الهدنة، ستضطر واشنطن إلى تعديل الترتيب أو تخفيفه. وإذا اقتربت الرياض والقاهرة من صيغة هدنة أولًا، ثم انسحابات مرحلية ورقابة وتفاوض سياسي، ستضيق مساحة البرهان. لأن الضغط الأميركي يصبح ثقيلًا عندما يتحدث بلهجة إقليمية، ويصبح قابلًا للمقاومة عندما يبقى أميركيًا وحده.

الفرضية التي ينبغي قلبها
تفترض قراءات كثيرة أن عودة الجيش إلى الخرطوم ستدفع الخارج، مع مرور الوقت، إلى قبول عملية سياسية يقودها البرهان. ماذا لو كان الاعتراف بالدولة منفصلًا عن الاعتراف بصانع النظام؟
يستطيع الاتحاد الأفريقي إعادة التواصل كما فعل بإرسال وفد للخرطوم، وتستطيع الدول استقبال الوزراء، ويمكن للسفارات التعامل مع الحكومة القائمة، ثم تستمر المطالبة بعملية مدنية مستقلة وحكومة انتقالية. لا يوجد تناقض. الدول تتعامل مع السلطة لحماية المصالح والسكان، ولا تمنحها بذلك تفويضًا دستوريًا مفتوحًا، كما نرى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لم تسميا سفيراهما ولكنها تتعاملان بمبعوثين وعلى ذلك يمكن القياس.
الافتراض البديل الأرجح يقول إن المشهد يتجه إلى تنازع منظم على استيعاب المبادرة. بورتسودان ستحاول تحويل الشروط الدولية إلى إضافات داخل حوارها؛ لجنة تحمل أسماء مدنية، بعض المقاعد للنازحين، وتعهدات عامة بالضمانات. واشنطن والخماسية ستحاولان تحويل الحوار الداخلي إلى منصة تحضيرية لمسار أوسع، مع هدنة ورقابة ومكان متفق عليه.

لا يملك أي طرف حتى الآن قوة كافية لفرض خطته كاملة، لذلك سيستمر ازدواج المسارين وتتوسع العقوبات على الشبكات، بينما تبقى السعودية ومصر ساحة المساومة الحقيقية.
تقديري أن هذا السيناريو يملك نحو ستين في المائة: حوار داخلي محدود الاعتراف، مشاورات دولية موازية، وهدنة تتأخر، وضغط مالي يتزايد تدريجيًا.
السيناريو البديل، بنحو ثلاثين في المائة، يقوم على صفقة هندسة مشتركة؛ تتحول مبادرة البرهان إلى منصة تحضيرية، وتُختار لجنة مستقلة بمعايير معلنة، وتعلق البلاغات السياسية، وتُقبل هدنة تسعين يومًا مع رقابة وانسحابات مرحلية، وهذا سيناريو تجتهد فيه بعض الجهات المدنية والعسكرية.
أما الاحتمال المباغت عالي التأثير، فيدور حول صدمة امتثال مالي أو انقسام داخل النخبة بعد ربط جهة مالية أو شركة دولة بدعم كيان مدرج أو بملف السلاح الكيميائي؛ عندها تتغير حسابات المصارف والحلفاء بسرعة، وقد يظهر تنازل كان مستبعدًا قبل أسابيع.

> اختبار المبادرة يبدأ قبل الجلسة الأولى
إذا أرادت بورتسودان إثبات أن الحوار مشروع وطني حقيقي، فلن يكفي الإعلان عن أسماء محترمة. عليها أن تجيب كتابة عن أسئلة عملية:
مَن أنشأ اللجنة التحضيرية؟ كيف تُختار عضويتها؟ مَن يملك عزل رئيسها؟ هل تستطيع اللجنة اختيار المشاركين والمكان والأجندة من دون توجيه عسكري أو حكومي؟ ما الضمان القانوني لتعليق البلاغات، ومَن يراجع القرار؟ كيف يختار النازحون واللاجئون ممثليهم؟ ما الصلة الملزمة بين الحوار وهدنة التسعين يومًا؟ مَن يراقب الجيش والقوات المساندة والحركات المسلحة والدعم السريع؟ وما الشروط المكتوبة لرفع العقوبات وفتح تمويل الإعمار؟
الجواب الجاد يمكن تلخيصه في سبع خطوات: لجنة تحضيرية مستقلة تُختار بمعايير منشورة؛ تعليق البلاغات السياسية القابلة للتعليق ووقف خطاب التخوين الرسمي؛ دوائر إقليمية للنازحين واللاجئين بتمويل مستقل؛ مكان يتفق عليه الفاعلون وتتوفر فيه حرية الدخول والخروج؛ بروتوكول يربط الحوار بهدنة ورقابة وممرات إنسانية؛ قواعد استبعاد فردية قائمة على السلوك والقانون مع حق الطعن؛ وتعهد عسكري معلن بأن المؤسسة تحمي العملية ولا تديرها، وأن أي مجلس تشريعي ينتظر اتفاقًا على قواعد المشاركة.
هذه الخطوات لا تهزم الجيش ولا تمنح الدعم السريع أفضلية . إنها تمنع الطرفين من امتلاك الدولة بالجملة. كما تمنع المدنيين المعيّنين من التحول إلى ديكور أنيق فوق بنية عسكرية مغلقة.

> القول الفصل
واشنطن لم تغلق باب الحوار الذي طرحه البرهان. أغلقت باب التحويل الآلي للسيطرة العسكرية على الخرطوم إلى تفويض سياسي. تريد البرهان طرفًا في وقف الحرب والترتيبات الأمنية، وتقاوم منحه حق اختيار اللجنة وكتابة القواعد وتأسيس المؤسسات ثم طلب اعتماد النتائج.
وفي المقابل يملك البرهان أوراقًا حقيقية: الجيش، والعاصمة، ومؤسسات الدولة، والاعتراف الدبلوماسي، وعلاقات إقليمية لا يمكن تجاوزها. استخدام هذه الأوراق للوصول إلى تسوية يمنحه موقعًا معتبرًا؛ استخدامها لاستباق التسوية بمؤسسات نهائية يربح ترتيبًا داخليًا محدودًا ويخسر قابلية تصدير الشرعية.
أخطر اختبار سيظهر عند تحديد علاقة الحركة الإسلامية وشبكاتها بالعملية. إذا دخلت كيانات مصنفة أو واجهات مملوكة لها تحت شعار الشمول، ينتقل الخلاف إلى الإرهاب والامتثال المصرفي والعقوبات الثانوية. وإذا وُضعت قواعد دقيقة تحاسب الفرد على الفعل والتمويل والعنف، وتحمي بقية المواطنين من الإقصاء الجماعي، يمكن تحويل الشمول من باب خلفي إلى قاعدة عادلة.
المعيار الأخلاقي والسياسي هنا أقدم من كل الأوراق الدولية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (النساء: 58). الدولة أمانة، والحكم عدل، والشورى لا تُدار تحت تهديد السلاح أو إكراه الخوف.
السؤال الذي سيقرر مصير مبادرة البرهان صار واضحًا: هل يقبل أن يستخدم قوة الجيش لحماية انتقال لا يقوده، أم يستخدم الحوار لتحويل قوة الجيش إلى دولة يقودها؟ وعند هذه النقطة ينتهي جدل العبارات، ويبدأ امتحان النوايا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.