مع انتهاء مهلة الـ60 يوماً للتفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران دون اتفاق نهائي أو تمديد للهدنة، ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديدها ودعوته طهران إلى الاستسلام، تتمسك إيران بإغلاق مضيق هرمز وتتوعد بالتصعيد، وسط ترجيحات بعودة العقوبات المشددة وتصاعد مخاوف المواجهة العسكرية. وفي هذا السياق، كشفت مجلة “فورين أفيرز” الأميركية عن تمدد شبكات المحور المدعوم من إيران إلى السودان، مشيرة إلى دور “الحوثيين” في نقل الأسلحة والخبرات وتدريب فصائل إسلاموية متطرفة متحالفة مع “الجيش السوداني”.
وتتطابق هذه المعطيات مع تقرير بحثي لـ”سنتشري إنترناشونال”، تحدث عن تنامي حضور “الحوثيين” في بورتسودان ومناطق أخرى، وإرسال عناصر منهم، إلى جانب عناصر من “الحرس الثوري” الإيراني، لتدريب فصائل متحالفة مع “الجيش السوداني” على تصنيع الطائرات المسيّرة واستخدامها.
وتشير المعلومات البحثية إلى أن علاقة “الحوثيين” في السودان تتركز مع شبكة من القادة العسكريين السابقين والحاليين المرتبطين بتيار إسلاموي متطرف، تعود علاقاته بإيران إلى تسعينيات القرن الماضي، حين كان السودان من أبرز حلفاء طهران في إفريقيا.
ومن أبرز المؤشرات على تنامي هذا التعاون ظهور طائرة مسيّرة سودانية جديدة باسم “سفروق”، رأى خبراء أسلحة أوجه شبه كبيرة بينها وبين الطائرة الإيرانية “أبابيل-T”، فيما يمتلك “الحوثيون” خبرة طويلة في تصنيع نسخة مشتقة منها، ما يعزز فرضية نقل التكنولوجيا والخبرات الإيرانية إلى السودان عبر الجماعة، وفق “سنتشري إنترناشونال”. وتركز نشاط “الحوثيين” في السودان على شبكات عسكرية مرتبطة بتيارات متطرفة لعبت دوراً بارزاً خلال عهد عمر البشير.
كذلك، كشفت معلومات استخباراتية مؤخراً، أوردها موقع “شيبا إنتلجنس” المتخصص في الشؤون الأمنية والاستخباراتية بمنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عن نقل جماعة “الحوثي” في اليمن، عبر شبكات تهريب عابرة للحدود، تكنولوجيا عسكرية إيرانية منخفضة التكلفة إلى جماعات مسلحة في السودان مرتبطة بـ”الإخوان المسلمين” ومتحالفة مع “الجيش السوداني”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتزامن مع محاولات متكررة لخفض التوتر بين إيران وأميركا، فضلاً عن جهود إقليمية لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. غير أن استمرار تدفق الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى السودان يوحي بأن طهران لا تنظر إلى تحالفاتها مع جماعة “الإخوان” في السودان باعتباره ملفاً هامشياً، بل جزء من منظومة نفوذ أوسع تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
وتثير هذه التطورات كذلك تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت طهران ستواصل دعمها العسكري والعمل على توسيع نفوذها في شرق السودان، ومدى تأثير هذا التدفق للمسيّرات والتكنولوجيا العسكرية على تعقيد الأزمة السودانية وسد آفاق الحل السلمي. كما يضع هذا الاختراق المفاوضات الأميركية الإيرانية السرية الجارية أمام اختبار حقيقي، وما إذا كانت ستكبح طموحات طهران في البحر الأحمر، أم ستمنحها هامشاً أوسع للمناورة عبر وكلائها في المنطقة؟
مسارات ناشئة لتهريب السلاح للسودان
وفقاً لما نشرته “شيبا إنتلجنس”، فإن شبكات التهريب العاملة بين اليمن والقرن الإفريقي والبحر الأحمر سهلت المفاوضات بين ممثلين عن جماعة “الحوثي” وجماعات مسلحة سودانية، وعقد أحدث هذه الاجتماعات خلال حزيران/يونيو الفائت، حيث ركز على بحث آليات جديدة ومسارات ناشئة لتهريب الأسلحة عبر البحر الأحمر.
وتعتمد هذه الشبكات على بنية تحتية لوجستية متطورة، إذ تستخدم جزراً قريبة من السواحل الإريترية كمواقع تخزين مؤقتة للأسلحة ومكونات تستخدم في تصنيع الذخائر. وتشير المعلومات إلى أن بعض هذه المواقع تستخدم أيضاً لتجميع أجزاء من الطائرات المسيّرة والصواريخ قبل نقلها إلى وجهاتها النهائية في السودان.
وحصل موقع “شيبا إنتلجنس” على أسماء أربعة قادة عسكريين “حوثيين” يعتقد أنهم يشاركون في إدارة أو تنسيق عمليات تهريب الأسلحة إلى السودان، لكنه امتنع عن نشر أسمائهم، ذلك لأن التفاصيل الكاملة المتعلقة بطبيعة المهام المنسوبة إليهم لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل، حسبما ذكر.
وكشفت صحيفة “إدراك السودانية”، عن أسماء خمسة قادة “حوثيين” بارزين يشرفون على نقل وتهريب الأسلحة، وعلى رأسهم منصور السعدي الملقب بـ”أبو سجاد”، رئيس أركان البحرية التابعة لـ”الحوثيين” والمدرج على قوائم العقوبات الأميركية بسبب عمليات عسكرية وهجمات ضد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وذكرت الصحيفة أن مصادر أكدت لها أنه خلال حزيران/يونيو الماضي شهدت لقاءات مكثفة في منطقة “عروس” على ساحل البحر الأحمر جمعت السعدي برفقة عدد من القيادات “الحوثية” بينهم جميل يحيى محمد زرعة، وعقيل أحمد الشامي، ومحمد أحمد الطالبي، ومحمد فضل عبد النبي مع شخصيات إخوانية سودانية.
حرب الوكالة الإيرانية تتمدد في إفريقيا
ويرى مراقبون أن اعتماد إيران على تكنولوجيا عسكرية منخفضة التكلفة، خصوصاً الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والاتصالات، يمثل أحد أبرز ملامح عقيدتها العسكرية الحديثة. فهذه الأدوات تتيح لطهران تعزيز نفوذها الإقليمي، بتكاليف محدودة مقارنة بالأسلحة التقليدية، كما تمنح حلفاءها ووكلاءها المحليين قدرات قتالية مؤثرة دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر. ومن هذا المنطلق، فإن السودان يمثل بيئة مثالية لتطبيق هذا النموذج، خاصة في ظل تعدد الأطراف المتصارعة والفاعلين المسلحين وضعف الرقابة على الحدود واتساع شبكات التهريب في منطقة البحر الأحمر.
ويتجاوز البعد الإيراني في السودان الحسابات العسكرية المباشرة ليرتبط عميقاً بأهمية الموقع الجيوسياسي الذي يتميز به. حيث يكتسب شرق السودان وساحل البحر الأحمر أهمية استراتيجية استثنائية نتيجة قربهما من خطوط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، الذي يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية.
ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن تمدد نفوذها في هذه المنطقة سيمنحها ورقة ضغط إضافية في معادلة الأمن البحري الإقليمي، لا سيما في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الإقليمية والدولية للسيطرة على البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي.
لذلك، يستبعد المحلل السياسي أبو عبيدة عوض برغوث أن تُقدم إيران على خفض دعمها للجماعات الإسلاموية هناك، ويؤكد في حديثه لـ”الحل نت” أن بورتسودان تشكل ورقة ضغط استراتيجية لطهران على المجتمع الدولي، لا سيما في منطقة البحر الأحمر، على غرار سيناريو جماعة “الحوثي” في اليمن.
وأشار إلى أن إيران مثلما دربت “لواء البراء بن مالك” أحد أذرع “الإخوان” العسكرية تدريباً نوعياً، ستعمل حالياً على تزويد السودان بمنظومات وتكنولوجيا تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، لتحويله إلى قاعدة إمداد رئيسية لحلفائها في المنطقة، بدءاً من اليمن و”حزب الله”، وصولاً إلى الجماعات الموالية لها في شرق وغرب إفريقيا.
وكان قادة عسكريون أميركيون قد أدلوا بشهادات بالغة الأهمية أمام مجلس الشيوخ في منتصف أيار/مايو 2026، كشفت عن خريطة النفوذ المتصاعد والتنسيق المشترك لشبكات طهران وجماعة “الحوثي” في عمق القارة الإفريقية.
وأوضح قائد القيادة الإفريقية “أفريكوم”، الجنرال داغمين أندرسون، أن الاستراتيجية الإيرانية باتت تعتمد بشكل مكثف على شبكات تهريب محلية متمرسة، تستغل الممرات البحرية والبرية التي يسيطر عليها “الحوثيون”، والتي تمددت لتشمل كامل ساحل البحر ومنطقة القرن الإفريقي بدلاً من الاقتصار على السواحل اليمنية.
وحذر قائد “أفريكوم” من أن هذا التنسيق أدى إلى تهديد هو الأخطر في المنطقة، حيث بدأت “حركة الشباب الصومالية” بتلقي أسلحة إيرانية نوعية وتدريبات متقدمة، مكنتها من استخدام طائرات مسيّرة هجومية ضد قوات الاتحاد الإفريقي.
وأكد قائد القيادة المركزية “سنتكوم”، الجنرال براد كوبر، أنه رغم الضربات المركزة التي استهدفت بنية إيران ووكلائها في الشرق الأوسط، فإن شبكات طهران في إفريقيا ما زالت قادرة على المناورة وتهديد الملاحة الدولية، مما يجعل ردعها أولوية قصوى لحماية الممرات المائية.
وبالعودة للمحلل السياسي برغوث، فإنه يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تحركاً إيرانياً مكثفاً لتنشيط حلفائها بهدف الضغط على خصومها في الشرق الأوسط وإفريقيا، مستغلة في ذلك قلة تكاليف صناعة الطائرات المسيّرة وإرسال خبراء إيرانيين لتدريب تلك الجماعات على التصنيع.
إيران تطيل أمد الأزمة السودانية
أفاد تقرير لوكالة “بلومبرغ”، في 15 حزيران/يونيو الفائت، أن “الجيش السوداني” قرر التخلي عن إمدادات الأسلحة الإيرانية مثل الطائرات المسيّرة، بهدف كسب دعم الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، لإنهاء الحرب الدائرة في البلاد، في تحول استراتيجي يسعى لتقليص نفوذ الجماعات الإسلامية. وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي الخرطوم لتعزيز موقفها التفاوضي والتحول نحو الغرب.
ويرى المحلل السياسي إيهاب ماديبو أن السودان بات يمثل إحدى أبرز ساحات النفوذ غير المباشر لإيران، في ظل الصراع المحموم بين عدة أطراف إقليمية ودولية في منطقة البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
وفي سياق متصل، يلفت ماديبو الانتباه إلى تقارير غربية رصدت تواجداً لعناصر من “الحرس الثوري” الإيراني وجماعة “الحوثي” في قاعدة “فلمنقو” البحرية بالقرب من بورتسودان شرقي البلاد. ويحذر من أن استمرار تدفق الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الإيرانية إلى بورتسودان يعزز من نفوذ طهران بالسودان، مما سيدفع واشنطن وحلفائها الإقليميين إلى تكثيف الضغوط لمنع تحول الساحل السوداني إلى منصة نفوذ إيرانية مستدامة.
ويؤكد ماديبو أن الطموح الإيراني في هذه المنطقة يرتبط باعتبارات استراتيجية تتجاوز تفاصيل الحرب السودانية، حيث تسعى طهران للسيطرة على خطوط الملاحة وبناء أوراق ضغط قوية في مواجهة خصومها الدوليين والإقليميين عبر التواجد في أحد أهم الممرات المائية في العالم. ويرى أن السودان تحول بالفعل إلى منصة تهدد أمن الشرق الأوسط، وأن حل هذه الأزمة لم يعد محلياً، بل بات يتطلب معالجات شاملة ضمن تسوية إقليمية أوسع.
في المحصلة، لا يبدو أن إيران تتجه للتخلي عن دعم بعض الجماعات المسلحة في السودان، رغم التفاهمات الدولية التي قد تدفع باتجاه خفض مستوى الانخراط العسكري المباشر. إلا أن الأهمية الاستراتيجية للسودان ومنطقة البحر الأحمر تجعل من الصعب أن تتخلى إيران عن طموحاتها هناك. وبالتالي، سيسهم استمرار هذا الدور في إطالة أمد الأزمة، ما لم تنجح الجهود السياسية الدولية والإقليمية في الحد من تدفق السلاح وتهيئة الظروف لتسوية سياسية مستدامة.
(الراكوبة)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.