لم يكن إعلان أديس أبابا مجرد بيان سياسي آخر يضاف إلى قائمة البيانات التي ازدحمت بها الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب، بل بدا محاولة واضحة لإعادة تعريف الطريق إلى السلام، ووضع حد للخلط المتعمد بين الحوار بوصفه وسيلة لإنهاء الحرب، والحوار بوصفه أداة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية.
القوى المناهضة للحرب، من خلال وثيقة «عملية السلام التي نريد»، قالت بوضوح إنها لا ترى في دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى ما سماه «الحوار السوداني-السوداني» مدخلاً حقيقياً للسلام. وهذه الرسالة، في جوهرها، تتجاوز البرهان نفسه إلى رفض فكرة أن يكون مستقبل السودان رهيناً بترتيبات تفرضها موازين القوة العسكرية.
المشكلة ليست في مبدأ الحوار. السودان في أمسّ الحاجة إلى الحوار، لكن السؤال الأهم هو: من يتحاور؟ وعلى أي أساس؟ وتحت أي ضمانات؟ وإلى أي غاية؟
لا يمكن أن يكون الحوار الوطني الحقيقي هو ذلك الذي يبدأ من افتراض استمرار الحكم العسكري، أو يتجاهل ملايين السودانيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب، أو يحاول إعادة تدوير القوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة السياسية التي سبقت الحرب.
البرهان يريد الحوار.. لكن أي حوار؟
دعوة البرهان إلى «حوار سوداني-سوداني» تبدو للوهلة الأولى جذابة، خصوصاً لشعب أنهكته الحرب ويريد نهاية سريعة للقتال. لكن السلام ليس مجرد اجتماع حول طاولة، ولا صورة جماعية تلتقطها الكاميرات، ولا اتفاقاً مؤقتاً بين النخب المسلحة.
السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بجذور الأزمة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن تأجيل القضايا الأساسية لا يؤدي إلى حلها، بل يجعلها أكثر انفجاراً. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تتعامل مع مسألة الدولة المدنية، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، والعدالة، وإعادة بناء الاقتصاد، وقضية الأقاليم المهمشة، والعلاقة بين المركز والهامش، ستبقى مجرد هدنة سياسية قابلة للانهيار.
ومن هنا تأتي أهمية رفض القوى المناهضة للحرب تحويل «الحوار» إلى مظلة لإعادة إنتاج النظام القديم أو منح الحرب شرعية سياسية جديدة.
لا عودة إلى المؤتمر الوطني من النافذة
أكثر النقاط حساسية في إعلان أديس أبابا هي الموقف من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.
فالحديث عن استبعاد القوى التي ارتبطت بنظام الثلاثين من يونيو لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رغبة في الانتقام السياسي، وإنما باعتباره محاولة لمنع إعادة إنتاج التجربة التي قادت السودان إلى ثلاثة عقود من الاستبداد، ثم إلى الانهيار الذي انتهى بالحرب.
السودان يحتاج إلى مصالحة وطنية، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى دولة لا تسمح لأي تنظيم سياسي باستخدام مؤسساتها العسكرية والأمنية لإقصاء الآخرين.
المصالحة لا تعني الإفلات من المسؤولية، والسلام لا يعني محو الذاكرة. وأي انتقال سياسي جاد يجب أن يضع العدالة والمحاسبة ضمن أسسه، لا باعتبارهما عقبة أمام السلام، وإنما باعتبارهما شرطاً لاستدامته.
ثلاثة مسارات.. وهذا هو الطريق الأكثر واقعية
اللافت في رؤية القوى المناهضة للحرب أنها لم تكتفِ برفض مبادرة البرهان، وإنما قدمت تصوراً عملياً يقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي.
وهذه المقاربة تبدو أكثر واقعية من انتظار اتفاق سياسي شامل قبل معالجة الكارثة الإنسانية.
فالمواطن السوداني لا يستطيع انتظار اكتمال التفاوض السياسي حتى يحصل على الغذاء والدواء والأمان. والمدن والقرى التي تحولت إلى ساحات للقتال تحتاج إلى وقف فوري للنار، بينما يحتاج السودان، في الوقت نفسه، إلى عملية سياسية تعالج أسباب الحرب لا نتائجها فقط.
المسار الإنساني يجب أن يكون عاجلاً وغير مشروط، لأن المساعدات ليست ورقة تفاوضية.
ومسار وقف إطلاق النار يجب ألا يتحول إلى استراحة للمتحاربين يعيدون خلالها ترتيب صفوفهم، بل ينبغي أن يكون مدخلاً إلى ترتيبات أمنية قابلة للمراقبة والتنفيذ.
أما المسار السياسي، فهو المعركة الأطول والأصعب؛ لأنه يتعلق بالسؤال الأكبر: أي سودان نريد بعد الحرب؟
توحيد الوسطاء.. حتى لا تتحول المبادرات إلى متاهة
من أهم ما طرحه إعلان أديس أبابا الدعوة إلى توحيد المبادرات والوساطات الدولية في منبر تفاوضي موحد.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فكثرة المبادرات لم تعد بالضرورة تعني كثرة فرص السلام. وفي الحالة السودانية، أدى تعدد المنابر أحياناً إلى إرباك المشهد، وأتاح للأطراف المتحاربة فرصة الانتقال من وسيط إلى آخر، واستخدام تناقضات الوسطاء لتعطيل أي ضغط حقيقي.
السودان لا يحتاج إلى عشرات المنابر المتنافسة، وإنما يحتاج إلى منبر واحد قوي، واضح الصلاحيات، ومسنود بإرادة دولية حقيقية.
فالوساطة التي لا تملك أدوات الضغط تتحول في نهاية المطاف إلى مجرد نصائح سياسية.
المدنيون ليسوا ملحقاً بعملية السلام
ربما تكون الرسالة الأهم في إعلان أديس أبابا أن السودان لا يمكن أن يُختزل في طرفي الحرب.
هناك سودانيون كثيرون لا يحملون السلاح، لكنهم يحملون عبء الحرب على أكتافهم كل يوم. هناك النازحون واللاجئون، والنساء، والشباب، والنقابات، ولجان المقاومة، ومنظمات المجتمع المدني، والقوى السياسية، والمجتمعات المحلية، والملايين الذين يريدون دولة تحميهم بدلاً من أن تكون سبباً في خوفهم.
لذلك فإن أي عملية سياسية لا تمنح المدنيين موقعاً حقيقياً في صناعة المستقبل ستكون ناقصة مهما بدا الاتفاق كبيراً.
السلام الذي يصنعه المسلحون وحدهم قد يوقف إطلاق النار، لكنه لن يصنع بالضرورة دولة مستقرة.
السودان أمام اختبار تاريخي
رفض «حوار البرهان» لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للحوار نفسه.
المطلوب هو حوار مختلف: حوار لا يبدأ من شرعية البندقية، ولا يمنح الحرب مكافأة سياسية، ولا يعيد الإسلام السياسي إلى السلطة من الأبواب الخلفية، ولا يستبعد القوى المدنية التي ظلت تدفع ثمن الصراع.
إن إعلان أديس أبابا يضع القوى المناهضة للحرب أمام مسؤولية كبيرة أيضاً. فرفض المبادرات القائمة أسهل من بناء البديل، وطرح خارطة الطريق أسهل من تحويلها إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على فرضها.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام هذه القوى هو توسيع مواعين المشاركة، وتجاوز الانقسامات، وبناء جبهة مدنية واسعة، والانتقال من موقع الاعتراض إلى موقع الفعل.
السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من السلطة القديمة، ولا إلى انتصار عسكري لطرف على آخر، وإنما يحتاج إلى دولة مدنية ديمقراطية، وجيش مهني واحد، ومؤسسات خاضعة للقانون، وعدالة لا تستثني أحداً، وسلام لا يمهد لحرب جديدة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع ليس: من ينتصر في الحرب؟
بل: كيف نمنع السودان من أن يخسر مستقبله بسببها؟
إعلان أديس أبابا يطرح إجابة أولية: أوقفوا الحرب، أنقذوا المدنيين، وافتحوا الطريق أمام عملية سياسية حقيقية.
أما تحويل الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج الماضي، فلن يكون سلاماً.
سيكون مجرد تأجيل للحرب القادمة.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.