التاريخ المنسي لدارفور

هِشَام مُحَمَّد شَرِيف

كُنَّا قَدْ وَجَّهْنَا فِي “مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ” رِسَالَةً إِلَى هَيَاكِلِ السُّلْطَةِ وَقِيَادَاتِ الجُيُوشِ، نَسْأَلُهَا عَنْ وِلَادَةِ الجَيْشِ السُّودَانِيِّ مِنْ رَحِمِ الِاسْتِعْمَارِ.
وَاليَوْمَ نَمُدُّ الجِسْرَ إِلَى عَوَاصِمَ كَانَتْ تَعْرِفُ دَارْفُورَ جَارَةً وَحَلِيفَةً، لَعَلَّ الذِّكْرَى تُوقِظُ ضَمَائِرَ نَامَتْ، وَلَعَلَّ التَّارِيخَ يُذَكِّرُ مَنْ نَسِيَ أَنَّ دَارْفُورَ لَمْ تَكُنْ أَرْضًا تَابِعَةً، بَلْ دَوْلَةً قَائِمَةً بِذَاتِهَا، تَكْسُو الكَعْبَةَ، وَتَأْمَنُ طُرُقَ الحَجِيجِ، وَتَحْفِرُ الآبَارَ فِي مَهَامِهِ القَفْرِ، وَتَقِفُ بِجَانِبِ مَنْ وَافَاهَا بِالوَفَاءِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَنْسَى تَارِيخَهُ كَمَنْ يَسِيرُ فِي ظُلْمَةٍ بِلَا سِرَاجٍ، وَالأُمَّةَ الَّتِي تَجْحَدُ جُذُورَهَا كَمَنْ تَقْطَعُ الغُصْنَ الَّذِي تُظِلُّهُ.
وَدَارْفُورُ، بِمَا لَهَا مِنْ مَاضٍ نَاصِعٍ، لَا تَطْلُبُ اليَوْمَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهَا كَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا السَّلَاطِينُ وَالخُلَفَاءُ قَبْلَ أَنْ تُبَدِّلَ الخَرَائِطُ مَوَاقِعَهَا، وَتُغَيِّرُ المَصَالِحُ وُجُوهَهَا.
إِنَّ دَارْفُورَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا إِقْلِيمًا هَامِشِيًّا يُضَمُّ إِلَى كِيَانٍ اسْتَعْمَارِيٍّ بِمُجَرَّدِ خَطٍّ عَلَى خَرِيطَةٍ.
بَلْ كَانَتْ سَلْطَنَةَ الفُورِ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا إِلَى القَرْنِ الخَامِسَ عَشَرَ المِيلَادِيِّ، حَيْثُ أَسَّسَ المُلُوكُ دَوْلَةً عَرَفَتِ الإِدَارَةَ وَالجَيْشَ وَالتِّجَارَةَ وَالصِّنَاعَةَ، وَضَرَبَتْ أَوْتَادَ عَرْشِهَا فِي قَلْبِ إِفْرِيقِيَا، سَابِقَةً فِي ذَلِكَ مَا يُسَمَّى اليَوْمَ بِالسُّودَانِ الحَدِيثِ بِمِئَاتِ السِّنِينَ.
هَلْ يَذْكُرُ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ اليَوْمَ طَمْسَ هَوِيَّةِ دَارْفُورَ أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلَكَةً تَرْسِلُ السُّفَرَاءَ وَتَعْقِدُ المُعَاهَدَاتِ وَتَضْرِبُ العُمْلَةَ وَتُدِيرُ شُؤُونَهَا بِنَفْسِهَا؟ أَمْ أَنَّ النِّسْيَانَ صَارَ أَسْرَعَ مِنَ الرِّمَالِ الزَّاحِفَةِ عَلَى آثَارِ الأَجْدَاد.
وَإِلَى خادم الحرمين نَتَوَجَّهُ بِالسُّؤَالِ:
أَتَذْكُرِ أَن الحرم المُكَرَّمَ كِسْوَتَه كَانَتْ تُصْنَعُ فِي الفَاشِرِ؟ أَتَذْكُرِ أَنَّ سُلْطَانَ دَارْفُورَ عَلِيَّ دِينَارَ، آخِرَ مُلُوكِهَا، ظَلَّ عِشْرِينَ عَامًا يَبْعَثُ بِكِسْوَتِكِ الجَدِيدَةِ كُلَّ عَامٍ عَلَى نَفَقَتِهِ، وَلَا يَطْلُبُ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ لَا مَالًا وَلَا مَكَانَةً، بَلْ أَدَاءً لِوَاجِبِ القُرْبَى وَحُبَّ البَيْتِ العَتِيقِ؟ أَيُّهَا القَائِمُونَ عَلَى الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، دَارْفُورُ الَّتِي كَانَتْ تُؤَمِّنُ طُرُقَ الحَجِّ مِنْ غَرْبِ إِفْرِيقِيَا إِلَى الفَاشِرِ، ثُمَّ إِلَى مِصْرَ، ثُمَّ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، ثُمَّ إِلَى الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، تَحْفِرُ الآبَارَ لِلْحُجَّاجِ فِي بَيَادِي القَفْرِ، وَتَبْعَثُ الجُنُودَ لِحِمَايَتِهِمْ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ.
هَلْ جَزَاؤُهَا اليَوْمَ أَنْ تُضْرَبَ بِامالكم وَتُصَنَّفَ خَارِجَ اطر التاريخ؟ إِنَّ مَنْ يَطْمَعُ فِي بَيْعِ دَارْفُورَ اليَوْمَ بِالثَّمَنِ الَّذِي يُسَاوِي ذِكْرَاهَا، لَقَدْ خَسِرَ الصَّفْقَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَهَا، فَالتَّارِيخُ لَا يُشْتَرَى بِالمَالِ، وَالمَاءُ الَّذِي سَقَتْهُ دَارْفُورُ لِلْحُجَّاجِ لَا يَجِفُّ بِالبُخْلِ السِّيَاسِيِّ.
وَإِلَى أَلاستانة نَمُدُّ الكَلَامَ، يَا مَنْ تَحْمِلُونَ تُرَاثَ الخِلَافَةِ العُثْمَانِيَّةِ وَلَوْ بِاسْمِ الجُمْهُورِيَّةِ الحَدِيثَةِ: أَتَذْكُرُونَ يَوْمَ وَقَفَ سُلْطَانُ دَارْفُورَ مَعَ الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ فِي الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى، وَحِينَ خَاضَتْ جُيُوشُهُ مَعَ جُيُوشِ الأَتْرَاكِ حَرْبًا لَيْسَتْ لَهَا فِيهَا مَكْسَبٌ وَلَا غَنِيمَةٌ، إِلَّا الوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ لِلخِلَافَةِ؟ أَتَذْكُرُونَ أَنَّ السَّوَادَ الأَعْظَمَ مِنْ جُيُوشِ الإِمَامِ المَهْدِيِّ فِي مَعْرَكَةِ شِيكَانَ حِينَ أَبَادُوا جَيْشَ هِكْسْ بَاشَا، وَمِنْ ثُمَّ زَحَفُوا إِلَى الخَرْطُومَ وَقَتَلُوا حَاكِمَهَا غَرْدُونَ، كَانُوا مِنْ فُرْسَانِ دَارْفُورَ وَرِمَاتِهَا؟
أَيْنَ ذَلِكَ الوَفَاءُ اليَوْمَ؟ حِينَ تَصُبُّ صَنَائِعُكُمُ الحَدِيثَةُ مِنْ رَصَاصٍ وَطَائِرَاتٍ عَلَى أَرْضِ مَنْ قَاتَلَ بِجَانِبِ جَدُودِكُمْ، وَضَحَّى بِمُلُوكِهِ رُوحًا وَمَالًا مِنْ أَجْلِ مَبَادِئِكُمْ؟ إِنَّ الرَّصَاصَةَ التَّي تَغْرِزُ فِي صَدْرِ السودان اليَوْمَ لَيْسَتْ إِلَّا رِسَالَةً تَقُولُ ذَهَبَ عَهْدُ الأَمَانَةِ، وَجَاءَ زَمَنُ النِّسْيَانِ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.