الجميل الفاضل يكتب: السودان في العقل الإنجيلي المعاصر؟!
ليس كلُّ ما يجري على الأرض هنا يُرى بعينِ السياسة فقط، إذ ثمّة عينٌ أخرى تقرأ الحاضر من بين سطور كتبٍ قديمة، وتبحث في خرائط اليوم عن أسماءٍ نامت طويلاً في أسفار النبوءات.
فحين يتحرك الجيش بكبار قادته نحو أنقرة، وتتراجع طهران أو تتقدم، وتتسع ظلال موسكو، وتبقى ليبيا قريبة من هذا المشهد، لا يرى بعض الإنجيليين هذا مجردَ تقاطع مصالح، بل ربما يرون شيئاً آخر؛ يرون فيه وجه: كوش، وفارس، وجومر، وفوط، وروشان (روش).
هي أسماءٌ قديمة تُستدعى من سفر حزقيال، ثم تُلبس أثواب الحاضر.
لكن المسألة، في الحقيقة، أوسع من ذلك بكثير.
هنا، ثلاث نيران كونية هائلة تتقاطع الآن فوق هذه المنطقة: نارٌ توراتية، ونارٌ مهدوية، ونارٌ إنجيلية هرمجدونية.
ثلاث رؤى للخلاص، تتحول النبوءات فيها من وعودٍ روحية إلى مشروعات قوة، لينشأ بالضرورة سؤال آخر: ما الذي سيحدث عندما تدخل السياسة السودانية في خرائط آخر الزمان؟
فلنبدأ قراءتنا من هذه اللحظة نفسها، من هذا اليوم الاثنين، حيث من المقرر أن يلتئم مجلس الأمن الدولي في جلسة مفتوحة حول السودان، تتركز على حماية المدنيين والتداعيات والآثار الإنسانية للحرب. وفي أجواء هذا الاجتماع تتداول دوائر سياسية مقترحات تتصل بتقييد حركة الطيران العسكري، وبفكرة فرض مناطق للحظر الجوي.
وفي المناقل، كان البرهان يستشعر قبل يومين أن الخناق بات يضيق عليه؛ فقد قال في منبر المدينة إنه لا يستبعد فرض عقوبات على السودان في الأيام المقبلة، ورد على ما وصفها بمحاولات تركيع البلاد بعبارة واضحة: «أعداء السودان يريدون تركيعه، لكنه لن يركع».
هكذا تبدو الصورة في ظاهرها كأنها مواجهة بين سلطة الأمر الواقع وضغطٍ دولي يتصاعد من الخارج.
لكن حين نرفع العين قليلاً، ونخرج من الخبر إلى الخريطة، ومن الخريطة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى النبوءة، تبدأ صورة أخرى في الظهور.
فالسؤال لم يعد: هل ستأتي عقوبات جديدة؟ وهل سيُفرض حظر جوي؟ لكن إلى أين سيدفع هذا الخناق والتضييق البرهان؟ ومن أين سيبحث له عن منفذ؟ هنا تظهر في خلفية الصورة أنقرة، وهنا تظهر طهران، وهنا ربما تظهر موسكو. ومن هذه اللحظة تحديداً يبدأ الانتقال: من الآني.. إلى النبوي.
ففي يوليو الماضي دخلت حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية على حكومة البرهان حيز التنفيذ، في أعقاب اتهام واشنطن لتلك الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب؛ وشملت الإجراءات قيوداً مالية وتصديرية.
وفي الوقت نفسه، كان السودان يبحث عن منافذ أخرى، قبل أن يصل ياسر العطا إلى تركيا ويلتقي وزير الدفاع التركي ورئيس هيئة الأركان، في محادثات تناولت العلاقات والتعاون العسكري بين البلدين.
سياسياً، يمكن تفسير الأمر ببساطة: حكومة محاصرة تبحث عن بدائل، ودولة طموحة تبحث عن نفوذ.
لكن النبوءات لا ترى الأشياء بهذه البساطة؛ فوقت تستيقظ كوش في «حزقيال 38»، تظهر أسماء فارس وكوش وفوط وجومر وبيت توجرمة ضمن التحالف الذي يقوده «جوج» في مشهد أخروي مرتقب.
وفي بعض التيارات الإنجيلية النبوية المعاصرة، تُسقط هذه الأسماء على دول حديثة.
وهنا لا نحتاج إلى أن نحسم صحة هذه المطابقات، إذ ما يعنينا هو أنها موجودة في العقل الذي ينظر إلى حكومة البرهان من هذه الزاوية؛ لأن الخريطة حين يؤمن بها أصحابها قد تصبح قوةً سياسية حتى قبل أن تثبت صحتها التفسيرية، لتضع البرهان في مرآة آخر الزمان، وهنا تدخل سلطة البرهان نفسها في مرآة النبوءة.
فالأوساط الإنجيلية النبوية تقرأ السودان بوصفه امتداداً لكوش، وتركيا بوصفها جومر وبيت توجرمة، وكلاهما مذكور صراحة في قائمة التحالف الذي ينضم إلى «جوج» في حزقيال 38.
ويرى جويل ريتشاردسون، أن إدراج كوش في هذا التحالف أمر قدري لا مفر منه، ويرى أن الضغط الغربي الذي سيدفع السودان للبحث عن بدائل شرقية ليس انحرافاً، إنما هو آلية تحقق ما هو مكتوب أصلاً. أما تركيا عند جويل فليست عضواً هامشياً، إنما هي مرتبطة بإحياء نفوذ عثماني قديم، وقد تلعب دوراً قيادياً أو شبه قيادي في المحور المعادي لإسرائيل.
أما جوناثان كان، فيربط السودان مباشرة بمسارات تهريب السلاح لحماس التي مكنتها من تنفيذ هجمات السابع من أكتوبر، معتبراً مشاركة السودان في تمكين هذا العداء تقاطعاً مبكراً مع قائمة حزقيال، وبالتالي فإن استمرار اعتماد السودان على قوى خارج المحور الغربي يعزز عنده هذا الخط.
وفي السياق نفسه، يضع أمير تسرفاتي، السودان وإيران وتركيا معاً ضمن هذا التحالف الغازي، ليُبرز تناقض محاولات البرهان التطبيعية السابقة مع الدور النبوي الذي يجعل السودان جزءاً من هؤلاء الغزاة. كما إن انشغال إيران بحربها وصعود الدور التركي يُفسَّران عنده كإعادة ترتيب داخل التحالف نفسه، حيث تسد تركيا فراغاً دون أن يخرج السودان من المدار المعادي.
أما تشارلز داير، وسكوفيلد، فيقدمان الإطار الكلاسيكي للنظرية: كوش وجومر ضمن الأمم التي تشارك في أحداث نهاية الزمان، ويوم الرب، والحكم على الأمم.
فالمشهد الحالي من عزلة غربية وتقارب تركي-سوداني يُقرأ كتهيئة عملية لهذا الاصطفاف.
علي أية حال، فالصورة الكلية لما يحدث الآن على الأرض — من ضغط غربي متصاعد على البرهان، وتراجع للقدرة الإيرانية، وتحرك لتركيا لملء الفراغ التسليحي — يتحول في القراءة الإنجيلية إلى مؤشرات على تجميع كل هذه القطع على صعيد واحد.
فالبرهان، في الواقع السياسي، هو رأس السلطة الانقلابية القائمة في السودان، لكن السودان الذي يقود جزءاً منه قد يُقرأ في بعض الأوساط الإنجيلية بوصفه كوش.
وبالتالي قد تفتح العبارة المنسوبة إلى الأمير تركي الفيصل نافذةً أوسع على المشهد برمته: ثلاث نيران تتقاطع فوق المنطقة: الأولى: نار «إسرائيل الكبرى»، وعدٌ توراتي قديم تريد الصهيونية أن تحوله من وعدٍ ديني إلى جغرافيا سياسية، ومن نص على الورق إلى قوة على الأرض.
والثانية: نار الإمام الغائب، قراءةٌ مهدوية متطرفة قد ترى في الفوضى والدمار مقدمةً للخلاص، لتحوّل الانتظار إلى فعلٍ سياسي وعسكري.
والثالثة: نار الصهيونية المسيحية، قراءةٌ إنجيلية ترى في بعض الحروب علاماتٍ تقرّب العالم من هرمجدون ومن عودة المسيح.
ثم تأتي العبارة التي تختصر المأساة كلها: ثلاثة أطراف، كلٌّ منها يصرخ: أنا أساعد الله، أنا أعين الله! وهنا ينكشف شيءٌ أخطر من اختلاف العقائد: أن يتحول الإنسان من عبدٍ لله إلى مقاتلٍ باسم الله. ولذلك عندما تتحول السماء إلى برنامج سياسي، تلتقي النيران الثلاث.
لكن أين يقع السودان وسط هذه النيران؟
صحيحٌ أن السودان ليس صاحب أيٍّ من هذه النبوءات، لكنه يقع في الجغرافيا التي تتقاطع فيها.
إنه كوش في بعض القراءات، وهو في الواقع السياسي دولة على البحر الأحمر، تجاور مصر وليبيا، وتتصل بالقرن الأفريقي، وتقع عند عقدة جغرافية تصل الشرق بالغرب، والبحر الأحمر بالمتوسط.
ولهذا، فإن ما يحدث هنا لا يبقى هنا.
فإذا كانت طهران جزءاً من المعادلة، وأنقرة جزءاً منها، وموسكو حاضرة فيها، وليبيا على تخومها، وإسرائيل جزءاً من البيئة الإقليمية الأوسع، والولايات المتحدة ذراعاً ضاغطة، فإن السودان يصبح نقطة تقاطع لا مجرد ساحة حرب.
ومن هنا نفهم أن زيارة العطا إلى أنقرة ليست في حد ذاتها نبوءة، والتعاون العسكري ليس دليلاً على حزقيال، لكنها في العقل الذي يحمل خريطة نبوية تصبح شيئاً آخر: كوش تقترب من جومر، والعلاقة مع إيران يمكن أن تُقرأ: كوش تقترب من فارس، والصلة المتأرجحة مع روسيا تُستدعى من باب «روش»، وحبل الود مع طرابلس يُستحضر من بوابة فوط.
هكذا تتحول سلسلة مصالح منفصلة إلى لوحة واحدة.
ما نراه نحن أحداثاً، قد يراه هؤلاء علامات؛ فالإنجيلي النبوي عندما يرى العطا في تركيا، لا يرى بالضرورة صفقةً عسكرية، إنه يرى كوش تقترب من جومر.
وحين يستعيد البرهان موقع صلاته بإيران، لا يرى ذلك نفوذاً إقليمياً، إنه يرى فارس في موضعها.
وحين يتأمل ليبيا، لا يراها مجرد جارٍ شمال أفريقي، إنه يرى فوط.
وحين ينظر إلى روسيا، قد يرى «روش»، ثم يجمع ذلك كله في مشهد واحد. هكذا تتحول السياسة المتفرقة إلى صورة واحدة.
وبالطبع ليس معنى إدخال السودان في خريطة حزقيال أن البرهان هو «جوج»، فالنص لا يقدم البرهان بهذه الصورة، لكن السلطة التي يقودها البرهان قد تُقرأ بوصفها سلطة «كوش» داخل المشهد الذي يربط ذلك التيار بجوج.
وبالتالي قد تصبح زيارة أنقرة، وموقع إيران، والعلاقة بروسيا، وموقع ليبيا، والضغط الأمريكي، ليست أحداثاً منفصلة في عين النبوءة، إنما هي قطع تتحرك على رقعة واحدة.
ولذلك، فإن أخطر ما في مثل هذه النبوءات ليس أن تكون صحيحة أو خاطئة، لكن أن تكون مؤثرة وفاعلة.
إذ عندما يؤمن إنسان بأن التاريخ يتجه حتماً إلى نهاية معينة، قد يبدأ في تفسير أفعاله بوصفها خادمةً لتلك النهاية. وحين تؤمن جماعة بأن الحرب تقرّب الخلاص، قد يصبح السلام عائقاً أمام الخلاص نفسه.
وهنا قد تقع الكارثة: عندما يصبح إيقاف الحرب مناقضاً للنبوءة! رغم أن الله، في التصور الإيماني، لا يحتاج إلى طائراتنا، ولا إلى صواريخنا، ولا إلى مسيراتنا، ولا إلى جيوشنا، ولا إلى أن نقتل بعضنا كي نثبت له أننا نساعده.
عموماً، من الآني إلى النبوي تكتمل الآن الدائرة: بضغطٍ أمريكي وغربي إضافي، باجتماعٍ لمجلس الأمن اليوم تحت عنوان حماية المدنيين وتداعيات الحرب، ومقترحات قد تتصل بالطيران، وبرهان يقول: لن نركع.
ثم أنقرة تفتح باباً، وطهران حاضرة في الخلفية، وموسكو تبحث عن موطئ قدم، وليبيا تقف على تخوم الجغرافيا، وواشنطن تضغط.. لذلك في العقل النبوي تبدو الصورة هكذا: كوش تتحرك، وفارس تتحرك، وجومر تتحرك، وفوط تتحرك، وروشان تتحرك، وفوق رؤوس الجميع تتجمع هكذا سحائب هرمجدون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.