من الشيخ الحاني إلى الوحش الجاني.. التدين والسلطة والجسد في زمن الانكشاف

د. الوليد آدم مادبو

الاعتداء على القاصرين ليس مجرد انحراف فردي ينتهي بإدانة الجاني، ولا فضيحة عابرة تُستهلك في وسائل التواصل ثم تُطوى. إنه ظاهرة عالمية أوسع مما نحب أن نعترف به: واحدة من كل خمس فتيات ونساء على قيد الحياة اليوم تعرضت للعنف الجنسي في طفولتها، وكذلك واحد من كل سبعة فتيان ورجال.
لكن الأرقام، على فداحتها، لا تقول لنا كل شيء. خلف كل رقم طفلٌ حمل سراً لم يستطع قوله، وأسرةٌ آثرت الصمت، ومؤسسةٌ ربما فضّلت سمعتها على حماية أضعف من فيها.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الأصعب: كيف يُمنح بعض الأشخاص سلطة تكاد تكون مطلقة على الأطفال؟ لماذا يصمت الضحايا وأسرهم؟ كيف تتحول الثقة الدينية إلى حصانة اجتماعية؟ وما الذي يجعل مؤسسات يُفترض أن تكون حاضنة للقيم عاجزة أحياناً عن حماية أضعف من فيها؟
هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من الجريمة الفردية إلى المسؤولية المؤسسية.
فالمشكلة لا تكمن في وجود رجل سيئ فحسب؛ فالرجال السيئون موجودون في كل المجتمعات. المشكلة تبدأ حين تمنحهم المؤسسة الوصول والثقة والصمت وغياب الرقابة في آن واحد.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله مؤسسة دينية عند ظهور جريمة من هذا النوع هو أن تعتبرها اعتداءً على سمعتها. فسمعة المؤسسة ليست أقدس من سلامة الطفل، والاعتراف بالخلل لا يهدم المؤسسة؛ بل قد يكون أول شروط إصلاحها.
السودان: من الشيخ إلى المؤسسة
منذ عهد الشيخ إدريس ود الأرباب، ظل الشيخ في المخيال السوداني نموذجاً للثقة والورع وحسن السيرة. ولم نسمع، في الذاكرة الاجتماعية المتداولة، عن تواتر مثل هذه الحوادث المشينة بالصورة التي نراها اليوم. وهذا لا يعني أن المجتمعات القديمة كانت معصومة من الجريمة، أو أن الاعتداء لم يقع فيها قط؛ فذلك ادعاء لا يستطيع التاريخ إثباته. لكنه يعني، على الأقل، أن الظاهرة لم تكن تتواتر أو تظهر في الوعي العام بهذا الحجم والانتظام اللذين يستحقان منا وقفة مختلفة.
كان الشيخ، في النموذج التقليدي، جزءاً من النسيج الاجتماعي نفسه. تعرفه القرية، ويعرف الناس أسرته وتاريخه، وتحيط به شبكة واسعة من العلاقات والرقابة غير الرسمية. وكانت التربية الدينية، في صورتها المثالية، رحلة طويلة من المصاحبة والتزكية والمعرفة، لا مجرد مظهر يمنح صاحبه سلطة جاهزة.
لم يمن الشيخ الحاني إلى الوحش الجاني.. التدين والسلطة والجسد في زمن الانكشاف
د. الوليد آدم مادبو
الاعتداء على القاصرين ليس مجرد انحراف فردي ينتهي بإدانة الجاني، ولا فضيحة عابرة تُستهلك في وسائل التواصل ثم تُطوى. إنه ظاهرة عالمية أوسع مما نحب أن نعترف به: واحدة من كل خمس فتيات ونساء على قيد الحياة اليوم تعرضت للعنف الجنسي في طفولتها، وكذلك واحد من كل سبعة فتيان ورجال.
لكن الأرقام، على فداحتها، لا تقول لنا كل شيء. خلف كل رقم طفلٌ حمل سراً لم يستطع قوله، وأسرةٌ آثرت الصمت، ومؤسسةٌ ربما فضّلت سمعتها على حماية أضعف من فيها.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الأصعب: كيف يُمنح بعض الأشخاص سلطة تكاد تكون مطلقة على الأطفال؟ لماذا يصمت الضحايا وأسرهم؟ كيف تتحول الثقة الدينية إلى حصانة اجتماعية؟ وما الذي يجعل مؤسسات يُفترض أن تكون حاضنة للقيم عاجزة أحياناً عن حماية أضعف من فيها؟
هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من الجريمة الفردية إلى المسؤولية المؤسسية.
فالمشكلة لا تكمن في وجود رجل سيئ فحسب؛ فالرجال السيئون موجودون في كل المجتمعات. المشكلة تبدأ حين تمنحهم المؤسسة الوصول والثقة والصمت وغياب الرقابة في آن واحد.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله مؤسسة دينية عند ظهور جريمة من هذا النوع هو أن تعتبرها اعتداءً على سمعتها. فسمعة المؤسسة ليست أقدس من سلامة الطفل، والاعتراف بالخلل لا يهدم المؤسسة؛ بل قد يكون أول شروط إصلاحها.
السودان: من الشيخ إلى المؤسسة
منذ عهد الشيخ إدريس ود الأرباب، ظل الشيخ في المخيال السوداني نموذجاً للثقة والورع وحسن السيرة. ولم نسمع، في الذاكرة الاجتماعية المتداولة، عن تواتر مثل هذه الحوادث المشينة بالصورة التي نراها اليوم. وهذا لا يعني أن المجتمعات القديمة كانت معصومة من الجريمة، أو أن الاعتداء لم يقع فيها قط؛ فذلك ادعاء لا يستطيع التاريخ إثباته. لكنه يعني، على الأقل، أن الظاهرة لم تكن تتواتر أو تظهر في الوعي العام بهذا الحجم والانتظام اللذين يستحقان منا وقفة مختلفة.
كان الشيخ، في النموذج التقليدي، جزءاً من النسيج الاجتماعي نفسه. تعرفه القرية، ويعرف الناس أسرته وتاريخه، وتحيط به شبكة واسعة من العلاقات والرقابة غير الرسمية. وكانت التربية الدينية، في صورتها المثالية، رحلة طويلة من المصاحبة والتزكية والمعرفة، لا مجرد مظهر يمنح صاحبه سلطة جاهزة.
لم يكن ذلك النموذج خالياً من العيوب، ولم تكن القداسة الاجتماعية ضماناً مطلقاً ضد الانحراف؛ لكن ثمة فارقاً مهماً بين أن تكتسب السلطة الأخلاقية بعد امتحان طويل للشخصية، وأن يصبح المظهر الديني نفسه مصدراً للسلطة والحصانة.
وهنا تبدأ المسألة.
مع انقلاب عام 1989، دخل التدين السوداني مرحلة مختلفة. لم تعد المسألة، في بعض صورها السياسية والاجتماعية، رحلة بطيئة نحو التزكية والمعرفة، وإنما أصبح المظهر الديني جزءاً من صناعة السلطة نفسها: اللحية، والثوب، والخطاب الحماسي، والانتماء التنظيمي، والقدرة على الحديث باسم الدين.
توسعت الخلاوي ودور تحفيظ القرآن والمؤسسات الدينية، وتداخل الديني بالسياسي، وأصبح التدين في بعض البيئات وسيلة سريعة لاكتساب المكانة الاجتماعية. لكن هذا التوسع لم يصاحبه بالضرورة تطور موازٍ في مفهوم الحماية المؤسسية للطفل، أو في معايير اختيار من يتولى التربية، أو في آليات مستقلة للمساءلة.
وهنا حدث انفصال خطير بين المظهر والجوهر.
فالجوهر الديني يفترض تزكية للنفس، وانضباطاً أخلاقياً، ورحمة بالضعيف، وخشية من الله تجعل صاحب السلطة أكثر تواضعاً تجاه الناس. أما التدين الأدائي فيكتفي أحياناً بإشارات المظهر والخطاب، ويطلب من الآخرين الثقة قبل أن يقدم لهم ما يبررها.
ولذلك ليست المشكلة أن الخلاوي وإذا شئت الخلوات أنتجت هذه الانحرافات؛ بل إن تحويل المظهر الديني إلى مصدر حصانة اجتماعية يمكن أن يوفر للمعتدي، حين يكون موجوداً، غطاءً مثالياً.
فالمعتدي لا يحتاج دائماً إلى كسر ثقة المجتمع؛ قد يحتاج فقط إلى أن يستعملها.
حين تنهار الحماية في أزمنة الحرب
إذا كانت السلطة غير المساءَلة تستطيع أن تخلق بيئة للاعتداء في زمن السلم، فإن الحرب تذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك: إنها تهدم كثيراً من الأسوار التي كانت تحول دون وقوعه.
منذ أبريل 2023، تفككت أجزاء واسعة من منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية في السودان. نزحت الأسر، وأُغلقت المدارس، وتعطلت الشرطة والقضاء في مناطق واسعة، وتقطعت صلات الأطفال بمصادر الحماية الطبيعية.
وقد سجلت اليونيسف، بين عامي 2024 و2025، مئات الحالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال في السودان، بينهم أطفال في أعمار بالغة الصغر، مع تأكيدها أن الأرقام الموثقة لا تمثل إلا جزءاً من الواقع بسبب الخوف من الوصمة والانتقام وصعوبة الوصول إلى الضحايا والخدمات.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تكون مادة للمزايدة؛ إنها إنذار. فالطفل الذي فقد الأسرة والمدرسة والحي والقانون يصبح مكشوفاً أمام الاستغلال، سواء كان المعتدي رجلاً دينياً أو جندياً أو قريباً أو معلماً أو أي شخص آخر يملك عليه سلطة.
ومن هنا يتضح أن المسألة أوسع من المؤسسة الدينية: إنها أزمة حماية للطفل في مجتمع انهارت فيه مؤسسات الحماية نفسها.
الجنس الذي لا نتحدث عنه
تواجهنا هنا مشكلة أخرى: كيف ننتقل من الحديث عن الاعتداء على القاصرين إلى إشكاليتنا الجنسية؟
فالاعتداء على الطفل ليس، في الغالب، تعبيراً عن لذة جنسية «محررة من الأخلاق»، بقدر ما هو استعمال للسلطة واستغلال للهشاشة؛ إذ تتحول الرغبة، حين تقترن باختلال القوة وانعدام القدرة على المقاومة أو الموافقة، إلى أداة للهيمنة.
لكننا، ونحن معنيون قبل كل شيء بالمعتدى عليه، لا نستطيع تجاهل السؤال الأعمق: كيف نتعامل نحن مع الجنس نفسه؟ فالدراسات الحديثة تؤكد أن التفكير والرغبة الجنسية جزء طبيعي من الحياة النفسية للإنسان، وإن اختلفت معدلاتها اختلافاً واسعاً بين الأفراد. وتشير إحدى الدراسات إلى متوسط يقارب 19 فكرة جنسية يومياً لدى الرجال و10 لدى النساء. والمغزى هنا ليس الرقم في ذاته، وإنما أن الجنس ليس موضوعاً يمكن إلغاؤه بالصمت.
فالطفل قد يصبح فريسة للجهل أو الخوف أو الالتباس، ولا سيما حين يكبر في بيئة لا تمنحه لغة يفهم بها جسده وحدوده، ولا يعرف متى يكون ما يتعرض له اعتداءً، ولا كيف يطلب النجدة. واليوم، وقد أصبح الفضاء الرقمي مفتوحاً أمام الأطفال والمراهقين، لم يعد ممكناً أن نتركهم بين تحريم لا يشرح، وانفتاح لا يربي.
ما الذي ينبغي فعله؟
من التشخيص إلى السياسات
إذا أردنا معالجة الظاهرة بجدية، فلا بد أن تتحول الحماية من نوايا حسنة إلى نظام مؤسسي:
أولاً: إخضاع كل من يتولى تعليم الأطفال أو الإشراف عليهم، في الخلوة أو المسجد أو المدرسة الدينية، لمعايير واضحة للفحص والتأهيل والترخيص والمساءلة. فالصفة الدينية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن التحقق من الأهلية.
ثانياً: منع العزلة غير المبررة بين المربي والطفل. فالخلوة التربوية التي لا تخضع للرقابة قد توفر بيئة للاستغلال، مهما كانت النوايا في أصلها حسنة.
ثالثاً: إنشاء قنوات مستقلة للإبلاغ والتحقيق. فلا يجوز أن تكون المؤسسة التي ينتمي إليها المتهم هي الحكم في قضيته، ولا أن تصبح حماية السمعة أهم من حماية الطفل.
رابعاً: إدخال تربية جنسية ونفسية مناسبة للعمر. ليس المقصود تغيير قيم المجتمع، وإنما منح الطفل معرفة تحميه: أن يفهم جسده وحدوده، وأن يميز الاعتداء، وأن يعرف كيف يطلب المساعدة.
خامساً: تدريب الأسر والمعلمين على اكتشاف مؤشرات الاعتداء. فالطفل قد يعجز عن وصف ما حدث، لكن سلوكه قد يتغير بطريقة تستحق الانتباه.
سادساً: إنشاء قاعدة بيانات وطنية مستقلة. فلا يمكن مواجهة ظاهرة لا نعرف حجمها ولا خصائصها ولا البيئات التي تتكرر فيها.
سابعاً: بناء تربية رقمية جادة. لم يعد ممكناً حماية الأطفال بمجرد إبعادهم عن الإنترنت؛ المطلوب تعليمهم كيف يعيشون فيه بأمان ووعي، بعدما أصبح الفضاء المفتوح جزءاً من عالمهم، وصار الصمت عن الجنس عجزاً عن التربية أكثر منه فضيلةً في الأخلاق.كن ذلك النموذج خالياً من العيوب، ولم تكن القداسة الاجتماعية ضماناً مطلقاً ضد الانحراف؛ لكن ثمة فارقاً مهماً بين أن تكتسب السلطة الأخلاقية بعد امتحان طويل للشخصية، وأن يصبح المظهر الديني نفسه مصدراً للسلطة والحصانة.
وهنا تبدأ المسألة.
مع انقلاب عام 1989، دخل التدين السوداني مرحلة مختلفة. لم تعد المسألة، في بعض صورها السياسية والاجتماعية، رحلة بطيئة نحو التزكية والمعرفة، وإنما أصبح المظهر الديني جزءاً من صناعة السلطة نفسها: اللحية، والثوب، والخطاب الحماسي، والانتماء التنظيمي، والقدرة على الحديث باسم الدين.
توسعت الخلاوي ودور تحفيظ القرآن والمؤسسات الدينية، وتداخل الديني بالسياسي، وأصبح التدين في بعض البيئات وسيلة سريعة لاكتساب المكانة الاجتماعية. لكن هذا التوسع لم يصاحبه بالضرورة تطور موازٍ في مفهوم الحماية المؤسسية للطفل، أو في معايير اختيار من يتولى التربية، أو في آليات مستقلة للمساءلة.
وهنا حدث انفصال خطير بين المظهر والجوهر.
فالجوهر الديني يفترض تزكية للنفس، وانضباطاً أخلاقياً، ورحمة بالضعيف، وخشية من الله تجعل صاحب السلطة أكثر تواضعاً تجاه الناس. أما التدين الأدائي فيكتفي أحياناً بإشارات المظهر والخطاب، ويطلب من الآخرين الثقة قبل أن يقدم لهم ما يبررها.
ولذلك ليست المشكلة أن الخلاوي وإذا شئت الخلوات أنتجت هذه الانحرافات؛ بل إن تحويل المظهر الديني إلى مصدر حصانة اجتماعية يمكن أن يوفر للمعتدي، حين يكون موجوداً، غطاءً مثالياً.
فالمعتدي لا يحتاج دائماً إلى كسر ثقة المجتمع؛ قد يحتاج فقط إلى أن يستعملها.
حين تنهار الحماية في أزمنة الحرب
إذا كانت السلطة غير المساءَلة تستطيع أن تخلق بيئة للاعتداء في زمن السلم، فإن الحرب تذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك: إنها تهدم كثيراً من الأسوار التي كانت تحول دون وقوعه.
منذ أبريل 2023، تفككت أجزاء واسعة من منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية في السودان. نزحت الأسر، وأُغلقت المدارس، وتعطلت الشرطة والقضاء في مناطق واسعة، وتقطعت صلات الأطفال بمصادر الحماية الطبيعية.
وقد سجلت اليونيسف، بين عامي 2024 و2025، مئات الحالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال في السودان، بينهم أطفال في أعمار بالغة الصغر، مع تأكيدها أن الأرقام الموثقة لا تمثل إلا جزءاً من الواقع بسبب الخوف من الوصمة والانتقام وصعوبة الوصول إلى الضحايا والخدمات.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تكون مادة للمزايدة؛ إنها إنذار. فالطفل الذي فقد الأسرة والمدرسة والحي والقانون يصبح مكشوفاً أمام الاستغلال، سواء كان المعتدي رجلاً دينياً أو جندياً أو قريباً أو معلماً أو أي شخص آخر يملك عليه سلطة.
ومن هنا يتضح أن المسألة أوسع من المؤسسة الدينية: إنها أزمة حماية للطفل في مجتمع انهارت فيه مؤسسات الحماية نفسها.
الجنس الذي لا نتحدث عنه
تواجهنا هنا مشكلة أخرى: كيف ننتقل من الحديث عن الاعتداء على القاصرين إلى إشكاليتنا الجنسية؟
فالاعتداء على الطفل ليس، في الغالب، تعبيراً عن لذة جنسية «محررة من الأخلاق»، بقدر ما هو استعمال للسلطة واستغلال للهشاشة؛ إذ تتحول الرغبة، حين تقترن باختلال القوة وانعدام القدرة على المقاومة أو الموافقة، إلى أداة للهيمنة.
لكننا، ونحن معنيون قبل كل شيء بالمعتدى عليه، لا نستطيع تجاهل السؤال الأعمق: كيف نتعامل نحن مع الجنس نفسه؟ فالدراسات الحديثة تؤكد أن التفكير والرغبة الجنسية جزء طبيعي من الحياة النفسية للإنسان، وإن اختلفت معدلاتها اختلافاً واسعاً بين الأفراد. وتشير إحدى الدراسات إلى متوسط يقارب 19 فكرة جنسية يومياً لدى الرجال و10 لدى النساء. والمغزى هنا ليس الرقم في ذاته، وإنما أن الجنس ليس موضوعاً يمكن إلغاؤه بالصمت.
فالطفل قد يصبح فريسة للجهل أو الخوف أو الالتباس، ولا سيما حين يكبر في بيئة لا تمنحه لغة يفهم بها جسده وحدوده، ولا يعرف متى يكون ما يتعرض له اعتداءً، ولا كيف يطلب النجدة. واليوم، وقد أصبح الفضاء الرقمي مفتوحاً أمام الأطفال والمراهقين، لم يعد ممكناً أن نتركهم بين تحريم لا يشرح، وانفتاح لا يربي.
ما الذي ينبغي فعله؟
من التشخيص إلى السياسات
إذا أردنا معالجة الظاهرة بجدية، فلا بد أن تتحول الحماية من نوايا حسنة إلى نظام مؤسسي:
أولاً: إخضاع كل من يتولى تعليم الأطفال أو الإشراف عليهم، في الخلوة أو المسجد أو المدرسة الدينية، لمعايير واضحة للفحص والتأهيل والترخيص والمساءلة. فالصفة الدينية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن التحقق من الأهلية.
ثانياً: منع العزلة غير المبررة بين المربي والطفل. فالخلوة التربوية التي لا تخضع للرقابة قد توفر بيئة للاستغلال، مهما كانت النوايا في أصلها حسنة.
ثالثاً: إنشاء قنوات مستقلة للإبلاغ والتحقيق. فلا يجوز أن تكون المؤسسة التي ينتمي إليها المتهم هي الحكم في قضيته، ولا أن تصبح حماية السمعة أهم من حماية الطفل.
رابعاً: إدخال تربية جنسية ونفسية مناسبة للعمر. ليس المقصود تغيير قيم المجتمع، وإنما منح الطفل معرفة تحميه: أن يفهم جسده وحدوده، وأن يميز الاعتداء، وأن يعرف كيف يطلب المساعدة.
خامساً: تدريب الأسر والمعلمين على اكتشاف مؤشرات الاعتداء. فالطفل قد يعجز عن وصف ما حدث، لكن سلوكه قد يتغير بطريقة تستحق الانتباه.
سادساً: إنشاء قاعدة بيانات وطنية مستقلة. فلا يمكن مواجهة ظاهرة لا نعرف حجمها ولا خصائصها ولا البيئات التي تتكرر فيها.
سابعاً: بناء تربية رقمية جادة. لم يعد ممكناً حماية الأطفال بمجرد إبعادهم عن الإنترنت؛ المطلوب تعليمهم كيف يعيشون فيه بأمان ووعي، بعدما أصبح الفضاء المفتوح جزءاً من عالمهم، وصار الصمت عن الجنس عجزاً عن التربية أكثر منه فضيلةً في الأخلاق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.