السودان يحترق… من المستفيد من استمرار الحرب؟

تيسير المبارك

 

أعلنت الأمم المتحدة أن الأسلحة المتطورة التي تغذي الحرب في السودان تعكس استمرار الدعم الخارجي لأطراف النزاع، وأن القتال خلال النصف الأول من العام وحده خلّف نحو 1,400 قتيل مدني، فيما ارتفع عدد النازحين إلى 13 مليون إنسان، فإن العالم لا يقرأ مجرد أرقام، بل يقرأ فصولاً من مأساة شعب يُدفع ثمنها كل يوم من دمه ومستقبله.

ويبقى السؤال الذي يؤرق كل سوداني: لماذا يموت الشعب السوداني؟

أي قضية يمكن أن تبرر تشريد ثلاثة عشر مليون إنسان؟ وأي مشروع سياسي يستحق أن تتحول المدن إلى أنقاض، وأن يفقد الأطفال مدارسهم، وأن تصبح المستشفيات عاجزة عن إنقاذ المرضى، وأن ينام الملايين وهم لا يعرفون من أين تأتي وجبتهم التالية؟

لقد أثبتت هذه الحرب أن المنتصر الحقيقي ليس السودان، ولا شعبه، بل الخراب وحده. فكل يوم يمر يحمل معه مزيداً من الضحايا، ومزيداً من الانهيار الاقتصادي، ومزيداً من الكراهية والانقسام، بينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع فرص السلام.

وفي خضم هذا المشهد المأساوي، يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: لماذا تصر بعض القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية على رفض كل مسار يفضي إلى إنهاء الحرب؟

يرى كثير من المحللين أن استمرار الصراع يخدم، من وجهة نظر هذه القوى، الحفاظ على نفوذها داخل المشهد السياسي والعسكري، ويمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتأجيل أي تسوية قد تعيد تشكيل موازين السلطة. غير أن هذه الرؤية محل جدل سياسي، ولا تعني بالضرورة أنها تمثل موقف جميع المنتمين إلى التيار الإسلامي أو أنها حقيقة مثبتة بشأن جميع الأطراف.

لكن ما لا يقبل الجدل هو أن الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر. فهو الذي يدفع ثمن استمرار القتال، وهو الذي يواجه الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، بينما تتحول حياته اليومية إلى معركة من أجل البقاء.

لقد أصبحت الحرب اقتصاداً قائماً بذاته؛ هناك من يربح من استمرارها، وهناك من يراهن على السلاح أكثر من رهانه على الحوار. أما المواطن البسيط، فلا يملك سوى الانتظار بين طوابير الخبز، أو البحث عن دواء مفقود، أو النزوح إلى مكان يظنه أكثر أمناً.

وما يزيد المأساة تعقيداً أن استمرار تدفق الأسلحة، وفق ما تشير إليه تقارير الأمم المتحدة، يعني أن فرص إطالة أمد النزاع ما زالت قائمة. وكل بندقية جديدة تدخل إلى ساحة المعركة، تعني أسرة جديدة ستفقد عائلها، وطفلاً جديداً سيولد في مخيم للنزوح، ومدينة أخرى ستبتعد عن طريق التعافي.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الذخائر، بل إلى إرادة سياسية توقف نزيف الدم. ولا يحتاج إلى سباق للتسلح، بل إلى سباق لإنقاذ ما تبقى من الدولة، وإعادة الأطفال إلى مدارسهم، والمرضى إلى مستشفياتهم، والمزارعين إلى حقولهم.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تُبنى عليها الدول، وأن أي مكسب عسكري يظل مؤقتاً إذا كان ثمنه انهيار الوطن. أما السلام، فرغم صعوبته، يبقى الطريق الوحيد الذي يمنح السودانيين فرصة لاستعادة حياتهم.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق كل من يرفض إنهاء هذه الحرب: كم سودانياً يجب أن يموت بعد، وكم مدينة يجب أن تُدمر، حتى يقتنع الجميع بأن الوطن أكبر من أي مشروع سياسي، وأن حياة الناس ليست ورقة تفاوض، بل مسؤولية لا يجوز التفريط فيها؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.