الثلث يحتاج لمساعدات.. منْ تبقى مِن السودانيين؟

نورا عثمان

حين يعلن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أن نحو ثلثي سكان السودان باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية منقذة للحياة، وأن الفجوات تتسع في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والمأوى، فإن الأمر لم يعد مجرد تقرير أممي جديد يضاف إلى أرشيف المأساة، بل شهادة قاسية على حجم الانهيار الذي وصلت إليه البلاد.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً: من تبقى إذاً من الشعب السوداني؟
إذا كان ثلثا السكان ينتظرون الغذاء والدواء والمأوى، وإذا كان ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، وإذا كانت المدارس مغلقة، والمستشفيات مدمرة أو عاجزة عن أداء دورها، والاقتصاد ينهار يوماً بعد آخر، فمن بقي ليعيش حياة طبيعية؟
لقد تحولت الحرب إلى طاحونة لا تميز بين طفل وشيخ، ولا بين مزارع وطبيب، ولا بين معلم وعامل. الجميع يدفع الثمن، بينما يواصل دعاة الحرب والمتشبثون بها ترديد الشعارات والانتصارات الوهمية، وكأن الخراب الذي يحيط بالبلاد مجرد تفصيل عابر.
المواطن السوداني لم يعد يحلم بالرفاهية، ولا حتى بتحسين مستوى معيشته. كل ما يريده اليوم هو وجبة تكفي أطفاله، ودواء لمريض في أسرته، ومدرسة تعيد أبناءه إلى مقاعد الدراسة، وسقف يحتمي تحته من المطر والخوف. لكن حتى هذه الحقوق الأساسية أصبحت بعيدة المنال.
وفي المقابل، هناك من لا تزال الحرب بالنسبة إليه مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً أو وسيلة للحفاظ على النفوذ. فكلما طال أمد القتال، اتسعت شبكات المصالح المرتبطة به، وازدهرت تجارة السلاح، والسوق السوداء، والتهريب، وكل اقتصاد يقوم على استمرار الفوضى.
إن أكثر ما يؤلم في المشهد السوداني أن من يدفع الثمن ليس من يتخذ قرار الحرب، بل المواطن البسيط الذي وجد نفسه محاصراً بين الجوع والمرض والنزوح. أما أصحاب القرار، فيواصلون تبادل الخطابات، بينما تتآكل الدولة وتضيق مساحة الحياة.
لقد أصبحت المساعدات الإنسانية شريان الحياة الوحيد لملايين السودانيين، وهذا في حد ذاته مؤشر على حجم الكارثة. فلا وطن يمكن أن يبني مستقبله وهو يعتمد على الإغاثة للبقاء، ولا مجتمع يستطيع النهوض بينما تتراجع الخدمات الأساسية إلى هذا الحد.
إن استمرار الحرب لم يعد يعني فقط سقوط مزيد من الضحايا، بل يعني أيضاً ضياع جيل كامل حُرم من التعليم، وأسر فقدت مصادر رزقها، ومدناً تحولت إلى أطلال، واقتصاداً يصعب ترميمه حتى بعد توقف القتال.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل من يصر على استمرار هذا النزاع: ماذا تبقى لتحكموه إذا كان الشعب نفسه ينهار؟
فلا معنى لأي سلطة فوق أرض خالية من أهلها، ولا قيمة لأي انتصار عسكري إذا كان المواطن يقف في طوابير الإغاثة بحثاً عن لقمة تسد رمقه أو جرعة دواء تنقذ حياته.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن إنقاذ السودان يبدأ بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإطلاق مسار سياسي يضع الإنسان السوداني في قلب الأولويات. أما الاستمرار في الرهان على السلاح، فلن ينتج سوى مزيد من التقارير الأممية التي توثق حجم المأساة، ومزيد من المقابر، ومزيد من الأسئلة التي ستلاحق كل من ساهم في إطالة هذا النزيف.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.