المعطيات الميدانية، والسياسية المتاحة حتى الآن، توضح بجلاء أن مشروع تنصيب الجنرال عبد الفتاح البرهان بعد التخلص من قوى ثورة ديسمبر أولاً، ثم قوات الدعم السريع ثانياً، قد باء بالفشل الذريع. فما يُسمى “حرب الكرامة” لم يكن سوى غطاء دعائي لتغييب وعي السودانيين، وإكراههم على تبني موقف الجيش المتحالف مع الإسلاميين.
والدليل على أن المشروع الكيزاني قد وصل الآن إلى طريق مسدود هو تغيير لهجة البرهان – ومؤيديه – من التمسك بالبقاء للبندقية إلى اختصار الطريق نحو الحل من الورطة بالحوار الشكلاني، ذلك الذي يمنح رئاسة البرهان “شرعية متوهمة”. إذن فإن الدعوة التي ابتدرها البرهان للحوار بوصفه البديل قد أفشلها رفض الديسمبريين، الذين وصفوا هذا الحوار بأنه فخ، وامتداد، للوثبة الأولى، وأنه يمثل الجزء الجوهري لـ«مورفولوجيا» الاحتيال الكيزاني.
والدليل الثاني أن فكرة الحوار البرهاني لم تجد صدى لدى الإقليم، والعالم، إذ نهضت أمريكا لتقويض معناه بتصريحات أكدت أن أي حوار سوداني – سوداني مثمر يجب أن تتولاه قيادة مدنية، وفي مكان تحدده، وبالتوافق. ولا شك أن البرهان، والكيزان، يدركون مدى تأثير الولايات المتحدة التي ركعوا لها أيام بوش الثاني، ومدّوها بكل المعلومات عن زملائهم الإسلاميين المتطرفين في المنطقة. ونتذكر هنا أن قوش، ومن بعده محمد عطا، كانا من أكبر المتعاونين مع الاستخبارات الأميركية، لمجرد أن واشنطن قالت لإسلاميي المنطقة بعد أحداث سبتمبر: إما معنا، أو ضدنا. وبعدها انكشفت حقيقة هتاف “للأمريكان ليكم تسلحنا”!
والدليل الثالث على بوار فكرة الحرب هو تراجع مواقف العديد من المخدوعين بها بعد أن رأوا أنها عقدت قضايا البلاد، وأضرت بهم شخصياً، بينما شاهدوا حجم المفسدين الذين أثروا من خلالها. ذلك في وقت شرخت فيه حناجر المؤيدين الهتيفة، ووجدوا أنفسهم يجرون وراء سراب النصر في النزوح الداخلي. بل أدركوا أن أصواتهم المشروخة المنادية باستمرارية الحرب قد خلقت كل مصاعب وجودهم في الشتات، بداية من إهدار كرامتهم، مروراً بإراقة ماء وجوههم، وليس انتهاءً بفشل سفارات الدبلوماسيين الكيزان في إعادتهم للبلد.
الحقيقة أن الدلائل التي أفشلت القضاء على انتقال ثورة ديسمبر نحو الديمقراطية، وتصفية الدعم السريع، وإعادة الكيزان، كثيرة للغاية، لكن مضامينها تتعلق إجمالاً بيقظة غالب الشعب السوداني إزاء إستراتيجية الحركة الإسلامية. إذ سعى الإسلاميون إلى الانتقام من مشعلي الثورة بتدبير الانقلاب، ولاحقاً بابتدار الحرب لخلط الأوراق، والتمترس خلف الجيش كقاعدة وحيدة مساندة لها، وتوجيه إعلام الحرب لتشويه صور الذين يقفون ضدها، وتخوينهم.
ولعل الحصاد الوحيد الذي حققته الحركة الإسلامية، والجيش، من حرب هو مساهمتهما في تحطيم العاصمة، والهروب إلى بورتسودان ليجدوا مكاناً آمناً للاستمرار في الفساد، ونهب موارد الجبايات، وقمع كل ناشط شارك في ثورة ديسمبر.
إن فشل حرب الكرامة المدّعاة يرجع أيضاً إلى المعارضة القوية، والمثابرة، لمعظم قوى ثورة ديسمبر من جهة، والنزال الشرس الذي خاضته قوات الدعم السريع من جهة أخرى. وذلك ما أدى إلى استنزاف الجيش وموارده المستنزفة بشرياً ومادياً، فضلاً عن اقتطاع الدعم السريع أجزاء واسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة الدولة.
كل ذلك أمر مفهوم عند الحديث عن فشل حرب الكرامة الكريهة. ولكن ما لا نفهمه حتى الآن استعانة البرهان، وحاشيته، بمن سماهم إعلام الحرب “عرب الشتات” أمثال النور قبة، والسافنا، ومن قبلهم كيكل، الذين هم قد أهدروا دماء المواطنين العزل في الفاشر، والجنينة، والجزيرة، وأمدرمان!. أوليست هذه الحرب بمثابة تراجيكوميديا بحاجة إلى أفضل سينياريست حتى تقدم في منافسات “سينما كان” لتُعرف بمعنى حرب الكرامة عند قادة إسلاميي المؤتمر الوطني، والذين انخدعوا بمخططاتهم؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.