في الوقت الذي يقضي فيه آلاف المواطنين ساعات طويلة بحثاً عن رغيف الخبز، أو جالون ماء، أو دواء مفقود، أو فرصة عمل تعينهم على مواجهة أعباء الحياة، خرج والي الخرطوم معلناً حملة لإنهاء التوصيلات الكهربائية العشوائية المعروفة شعبياً بـ”الجبادات”، باعتبارها تمثل عبئاً على شبكة الكهرباء ومحولاتها. وتأتي هذه التوجيهات في سياق جهود رسمية لمعالجة أعطال الشبكة وإعادة تأهيل الخدمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه هي الأولوية التي ينتظرها المواطن السوداني اليوم؟ لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى أوضاع معيشية قاسية. كثير من الأسر فقدت منازلها أو مصادر دخلها، وأصبح الحصول على أبسط الخدمات معركة يومية. وفي مثل هذا الواقع، لا يمكن النظر إلى كثير من الظواهر الاجتماعية بمعزل عن الظروف التي أفرزتها.
لا أحد يجادل في أن تنظيم شبكة الكهرباء وحماية البنية التحتية أمر مهم، وأن التوصيلات غير النظامية قد تسبب أضراراً فنية أو مخاطر على السلامة العامة. لكن معالجة هذه الظواهر تتطلب أيضاً النظر إلى الأسباب التي دفعت المواطنين إليها، وفي مقدمتها سنوات الحرب، وضعف الخدمات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
المواطن الذي عاد إلى منزله بعد النزوح لا يريد امتيازات خاصة، بل يريد الحد الأدنى من مقومات الحياة: كهرباء مستقرة، ومياه تصل إلى منزله، وغذاء يمكنه شراءه، ومستشفى يجد فيه العلاج، ومدرسة يعود إليها أبناؤه.
والخرطوم نفسها ما زالت تعاني من تحديات كبيرة في الخدمات الأساسية، إذ تشهد مناطق عديدة انقطاعات متكررة للكهرباء، الأمر الذي ينعكس على المياه، وحفظ الأغذية، والنشاط التجاري، وحياة الأسر اليومية.
إن الدولة التي تطلب من مواطنيها الالتزام بالقانون، مطالبة في المقابل بأن توفر لهم بديلاً عملياً ومتاحاً. فلا يكفي إزالة المخالفة إذا لم تكن الخدمة النظامية متوفرة بصورة مستقرة وقادرة على تلبية احتياجات الناس.
لقد آن الأوان لأن تتحول الأولويات من ملاحقة آثار الأزمة إلى معالجة جذورها. فالناس لا ينتظرون حملات جديدة بقدر ما ينتظرون حلولاً حقيقية تعيد إليهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف هو أن يشعر المواطن بأن الدولة لا تراه إلا عندما تريد إزالة مخالفة أو تحصيل رسوم، بينما تغيب عنه عندما يتعلق الأمر بتوفير الخدمات أو تخفيف أعبائه.
السودانيون اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الضغوط، بل إلى سياسات تراعي حجم الكارثة التي خلفتها الحرب. وإذا كانت الدولة تطالب المواطنين بالصبر، فمن واجبها أن تبادر أولاً إلى تخفيف معاناتهم، لا إلى إضافة أعباء جديدة عليهم.
فالعدالة ليست في تطبيق القانون وحده، بل في أن يُطبق القانون في بيئة تضمن للناس حقهم في العيش الكريم، وأن تكون الأولوية دائماً للإنسان الذي أنهكته الحرب، قبل أي شيء آخر.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.