أَيُّهَا البَاحِثُونَ عَنِ الحَقِيقَةِ، تَعَالَوْا نَمْشُقْ سِلْسِلَةَ النَّسَبِ لِلْجَيْشِ الَّذِي يَزْعُمُ البَعْضُ أَنَّهُ حَامِي حِمَى الوَطَنِ
بَعْدَ أَنْ سَقَطَتْ سَلْطَنَةُ دَارْفُورَ عَلَى يَدِ الإِنْجِلِيزِ فِي نَوْفَمْبِرِ ١٩١٦َ، وَاسْتُشْهِدَ سُلْطَانُهَا عَلِيُّ دِينَارَ، أَسَّسَ الإِنْجِلِيزُ – مَعَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الأَتْرَاكِ وَفِرَقِ العَبِيدِ المُحَرَّرِينَ عَلَى زَعْمِهِمْ – مَا يُسَمَّى “بِقُوَّةِ دِفَاعِ السُّودَانِ” فِي عَامِ ١٩٢٥َ.
هَذِهِ القُوَّةُ، أَيُّهَا المُنْصِفُونَ، لَمْ تُنْشَأْ لِلدِّفَاعِ عَنِ السُّودَانِ وَحُدُودِهِ، بَلْ لِحِمَايَةِ المَصَالِحِ البِرِيطَانِيَّةِ فِي أَرْضٍ مُسْتَعْمَرَةٍ، وَلِإِخْمَادِ أَيِّ ثَوْرَةٍ تَهُبُّ ضِدَّ المُسْتَعْمِرِ. إِنَّهَا قُوَّةٌ مَوْلُودَةٌ مِنْ عُلْبَةِ العُبُودِيَّةِ المُقَدَّسَةِ عِنْدَهُمْ، حَيْثُ يُضَحِّي المَرْءُ بِرُوحِهِ فِي سَبِيلِ حَيَاةِ سَيِّدِهِ، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ
تِلْكَ لَيْسَتْ حُرِّيَّةً وَإِنْ سَمَّوْهَا تَحْرِيرًا، تِلْكَ أَوْجُهُ العُبُودِيَّةِ وَأَرْفَعُهَا. وَمِنْ هَذِهِ النُّواةِ، أَصْبَحَ الجَيْشُ السُّودَانِيُّ الحَدِيثُ يَحْمِلُ فِي عَقِيدَتِهِ رُوحَ المُسْتَعْمِرِ، وَفِي تَدْرِيبِهِ مَنْهَجَ المُحْتَلِّ، وَفِي قِتَالِهِ عُقْدَةً غَرِيبَةً لَا تَنْفَصِلُ عَنِ السُّودَانِيِّينَ، بَلْ تَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ أَزْمَةٍ.
حَرُوبُ الجَيْشِ كُلُّهَا – فِي شَرْقِهِ وَغَرْبِهِ وَجَنُوبِهِ وَشَمَالِهِ – لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَلَى السُّودَانِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ. جَيْشٌ لَمْ يَخُضْ قِتَالًا حَقِيقِيًّا ضِدَّ عَدُوٍّ خَارِجِيٍّ يَهْدِفُ إِلَى اجْتِيَاحِ الأَرْضِ، بَلْ قَضَى عُمْرَهُ يُدَافِعُ عَنْ وَظِيفَةٍ اسْتِعْمَارِيَّةٍ بَادَتْ دَوْلَتُهَا، وَبَقِيَ هُوَ يَلْبَسُ ثِيَابَهَا.
أَمَّا مِصْرُ، يَا أَهْلَ الكِنَانَةِ، فَلَنَا مَعَكُمْ تَارِيخٌ لَا يُنْكِرُهُ جَاهِلٌ، وَلَا يَجْحَدُهُ مُتَعَصِّبٌ
دَارْفُورُ كَانَتْ مَعْبَرَ الحُجَّاجِ إِلَى أَرْضِكُمْ، وَطَرِيقَ التِّجَارَةِ الَّذِي كَانَ يَجْرِي بِالذَّهَبِ وَالمَنْتُوجَاتِ الحَيَوَانِيَّةِ وَالزِّرَاعِيَّةِ وَالغَابِيَّةِ إِلَى أَسْوَاقِ القَاهِرَةِ.
دَارْفُورُ ظَلَّتْ عَلَى العَهْدِ مَعَكُمْ جَارَةً، حَتَّى حِينَ تَغَيَّرَتِ المَصَالِحُ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ. وَالسُّؤَالُ هُنَا
هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تُرِيدَ مِصْرُ اليَوْمَ إِعَادَةَ إِنْتَاجِ سِيَاسَاتِ المستعمرين والمستعمرات فِي العَهْدِ المَاضِي، بِتَسْلِيمِ السُّلْطَةِ لِلشَّرَاكِسَةِ وَالأَتْرَاكِ وَاليُونَانِيِّينَ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّصَلُوا بِالسُّودَانِ، لِتُؤَمِّنَ ظَهْرَهَا وَيَظَلَّ تَدَفُّقُ المَوَارِدِ مُتَّجِهًا نَحْوَكُمْ دُونَ أَنْ يُعَكِّرَهُ أَحَدٌ؟ هَلْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ أَبْنَاءَ دَارْفُورَ قَدْ نَسُوا الحُرُوبَ الَّتِي خَاضُوهَا بِجَانِبِ جُيُوشِ الخِلَافَةِ العُثْمَانِيَّةِ ضِدَّ مَنْ يَحْمِي المَصَالِحَ الأُورُوبِيَّةَ فِي المَنْطِقَةِ؟ لَا، يَا مِصْرُ، إِنَّ دَارْفُورَ تَقْرَأُ التَّارِيخَ جَيِّدًا، وَتَعْرِفُ مَنْ حَالَفَتْ لِلْأَمْسِ، وَمَنْ تَحَالَفَتْ عَلَيْهَا لِلْيَوْمِ.
نَكْتُبُ اليَوْمَ لِنُذَكِّرَ لَا لِنَتُوعِدَ، وَلِنُعَلِّمَ لَا لِنُهَدِّدَ. نَكْتُبُ بِقَلَمِ المُؤَرِّخِ لَا بِسَيْفِ الثَّائِرِ، وَبِلِسَانِ المُنَاصِحِ لَا بِصَوْتِ المُحَارِبِ.
دَارْفُورُ الَّتِي كَسَتِ الكَعْبَةَ، وَآمَنَتِ الحَجِيجَ، وَحَالَفَتِ العُثْمَانِيِّينَ، وَكَانَتْ دَوْلَةً قَبْلَ الدَّوْلَةِ، تَسْتَغْرِبُ اليَوْمَ أَنْ تُضْرَبَ بِالمال السُّعُودِيَّ، وَتُقْتَلَ بِسِلَاحِ تُرْكِيَا، وَتُهَدَّدَ بِإِعَادَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ مِنْ قِبَلِ مِصْرَ.
أَمَا آنَ لِتِلْكَ العَوَاصِمِ أَنْ تُرَاجِعَ مَوَاقِفَهَا؟ أَمَا آنَ لَهَا أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ دَارْفُورَ لَيْسَتْ بِضَاعَةً تُشْتَرَى وَتُبَاعُ،
وَلَا رَقِيقًا يُسْتَعْبَدُ وَيُتْرَكُ؟ دَارْفُورُ شَعْبٌ لَهُ عِزَّةٌ وَكَرَامَةٌ، وَقَدْ كَانَ وَمَا زَالَ يَضَعُ يَدَهُ فِي يَدِ مَنْ يُحْسِنُ الصُّحْبَةَ، وَيَقْطَعُ يَدَ مَنْ يَمُدُّهَا إِلَيْهِ بِالسُّوءِ. وَخَيْرُ مَا نَخْتِمُ بِهِ أَيُّهَا السَّادَةُ، أَنَّ الحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي إِعَادَةِ إِنْتَاجِ جَيْشِ قُوَّةِ دِفَاعِ السُّودَانِ بِثَوْبٍ وَطَنِيٍّ، وَإِنَّمَا الحَلُّ يَكْمُنُ فِي تَغْيِيرِ العَقِيدَةِ القِتَالِيَّةِ لِهَذَا الجَيْشِ مِنْ جِذْرِهَا. جَيْشٌ يَكُونُ لِكُلِّ السُّودَانِ، لَا لِطَائِفَةٍ أَوْ فِئَةٍ، جَيْشٌ يَحْفَظُ الحُدُودَ وَلَا يَتَدَخَّلُ فِي السِّيَاسَةِ، جَيْشٌ يُدَافِعُ عَنِ التُّرَابِ لَا عَنِ المُصْطَلَحَاتِ، جَيْشٌ يُقَاتِلُ العَدُوَّ الخَارِجِيَّ إِنْ وَجَدَ، وَلَا يُسَلِّطُ سِلَاحَهُ عَلَى أَبْنَاءِ وَطَنِهِ.
إِنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَحْيَا هِيَ الَّتِي تُصْلِحُ مَا تَحْتَ أَقْدَامِهَا، وَتُصَفِّي قَلْبَهَا مِنْ دَاخِلٍ.
وَالجَيْشُ السُّودَانِيُّ اليَوْمَ أَشْبَهُ بِرَجُلٍ يَظُنُّ أَنَّ الجِوَارَ يُغْنِيهِ عَنِ النَّسَبِ، وَأَنَّ السِّلَاحَ يُعَوِّضُهُ عَنِ الهَوِيَّةِ.
إِنَّنَا نَدْعُو إِلَى إِعَادَةِ نَسْجِ عَقِيدَةِ هَذَا الجَيْشِ عَلَى أَسَاسٍ وَطَنِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لَا عَلَى أَسَاسِ اسْتِعْمَارِيٍّ قَدِيمٍ، حَتَّى يَكُونَ سَيْفًا مُهَنَّدًا لِلسُّودَانِ لَا خِنْجَرًا مَسْمُومًا فِي ظَهْرِهِ.
فَلَا تَنْسَوْا، أَيُّهَا العُظَمَاءُ، أَنَّ دَارْفُورَ الَّتِي تُحَاوِلُونَ تَهْوِينَ شَأْنِهَا اليَوْمَ، كَانَتْ تَكْسُو الكَعْبَةَ لَمَّا كَانَ أَجْدَادُكُمْ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ، وَكَانَتْ تُؤَمِّنُ الحَجِيجَ لَمَّا كَانَتْ طُرُقُكُمْ مَقْطُوعَةً بِالخَوْفِ، وَكَانَتْ تَحْفِرُ الآبَارَ لَمَّا كَانَ المَاءُ عِنْدَكُمْ أَغْلَى مِنَ الذَّهَبِ.
إِنَّ التَّارِيخَ يَقِفُ شَاهِدًا، وَالحَقَّ لَا يَمُوتُ، وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ.
دَارْفُورُ تُنَادِي بِصَوْتٍ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الزَّمَانِ: كُنْتُمْ تَعْرِفُونَنَا، فَهَلْ تَنْسَوْنَا اليَوْمَ؟ وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ، وَهُوَ الحَاكِمُ بِالعَدْلِ، نَسْأَلُهُ أَنْ يُلْهِمَ المَسْؤُولِينَ رُشْدَهُمْ، وَأَنْ يُصْلِحَ مَا فَسَدَ مِنْ قُلُوبٍ وَعُقُولٍ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.