إلى نادين وصلاح شعيب، وإلى كل من كتب عن حديث الحارث إدريس، مندوب السودان في الأمم المتحدة:
يبدو أننا لم نكتفِ في السودان بالكذب المحلي، فانتقلنا به إلى المنابر الدولية، وكأن ما ظل يُقال للشعب السوداني من روايات متناقضة يمكن أن يمرّ أيضاً أمام العالم.
والسؤال البسيط الذي ينسف رواية الحارث إدريس هو: كيف يكون الجيش مفوضاً، وفي الوقت نفسه يُقال إنه جاء ليسد فراغاً نشأ بعد استقالة حكومة الثورة المدنية؟
وأيُّ استقالة هذه التي يتحدثون عنها؟
كان رئيس الوزراء عبد الله حمدوك محبوساً، ووزراء الحكومة قيد الاعتقال، وعدد من أعضاء مجلس السيادة المدنيين أُودعوا السجن.
فإذا كانت الحكومة قد «استقالت» فعلاً، فلماذا كان أعضاؤها معتقلين؟
وكيف يمكن لحكومة تحت الحبس والاعتقال أن تمارس إرادتها السياسية الحرة لتقدم استقالتها؟
هنا لا يحتاج الأمر إلى تحليلات سياسية معقدة؛ يكفي ترتيب الوقائع زمنياً حتى تظهر المفارقة.
إن حديث الحارث إدريس لا يبدو دفاعاً عن حقيقة تاريخية بقدر ما يبدو دفاعاً عن رواية سياسية يريد أصحابها إعادة إنتاجها أمام المجتمع الدولي.
فبدلاً من الاعتراف بأن المسار المدني الديمقراطي تعرض للانقلاب، يجري تقديم الأمر وكأن الجيش وجد نفسه أمام فراغ حكومي فدخل ليملأه!
وهذه ليست مجرد زلة لسان.
إنها مشكلة أكبر: مشكلة رواية كاملة تحاول قلب الوقائع.
فيا حارث إدريس، هل تظن أن العالم لا يعرف ما حدث في السودان؟
هل تظن أن المجتمع الدولي لا يستطيع التمييز بين حكومة استقالت بإرادتها وحكومة اعتُقل رئيس وزرائها ووزراؤها وأعضاء مكونها المدني؟
ثم ماذا عن «الفراغ» الذي تتحدثون عنه؟
هل يُصنع الفراغ باعتقال رئيس الوزراء والوزراء؟
وهل يكون سد الفراغ بإقصاء المدنيين وإعادة السلطة إلى العسكريين؟
يا حارث، يبدو أنك لم تعد مجرد حارث للاسم، بل أصبحت ــ في نظر منتقديك ــ حارساً لرواية الكيزان والفلول، ومدافعاً عن تأويل يحاول تبرئة الانقلاب من اسمه.
وهنا يصبح السؤال أعمق: هل المشكلة في أنكم لا تعرفون الحقيقة، أم أنكم تعرفونها ولكنكم لا تستطيعون قولها؟
لقد طال بنا زمن الروايات المصنوعة.
وطال بنا زمن تزيين الانقلابات وتسميتها إنقاذاً، وتسمية الاعتقالات استقالة، وتسمية الانقلاب على الوثيقة الدستورية «سدّاً لفراغ»!
إن أخطر ما في الكذب السياسي ليس أن يكذب صاحبه مرة، وإنما أن يتحول الكذب إلى رواية رسمية، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوها، ثم تُنقل الرواية نفسها إلى الخارج وكأن تغيير المنبر يغيّر الحقيقة.
الحقيقة لا تتغير بتغيير المكان.
ما قيل للشعب السوداني في الخرطوم لا يصبح حقيقة لأنه قيل في نيويورك، وما عجزت الرواية عن إثباته محلياً لن تمنحه الأمم المتحدة شهادة صحة.
ولذلك فإن حديث الحارث إدريس، بدلاً من أن يثبت شرعية ما حدث، يفتح الباب أمام سؤال أكبر عن قدرة ممثلي السلطة على مواجهة العالم بالوقائع كما حدثت، لا كما تريد السلطة أن يتذكرها الناس.
يا حارث، لا تظن أن العالم جاهل.
ولا تظن أن التاريخ يمكن إعادة كتابته بالتصريحات.
فالسودانيون يعرفون من كان معتقلاً، ومن كان في السجن، ومن كان في السلطة، ومن أُقصي منها، وكيف جرى الانتقال من المسار المدني إلى الحرب.
والتاريخ، مهما طال به الزمن، لا يقبل شهادة الزور.
أما الذين أدمنوا تبرير الأكاذيب، فقد يصبحون أسرى لها؛ حتى عندما يريدون قول الحقيقة، تسبقهم الرواية التي صنعوها بالأمس.
وهنا المأساة: حين يُكتب على السياسي أن يدافع عن الكذبة مرة بعد مرة، يصبح أسيراً لها، ويجد نفسه مضطراً إلى إنتاج كذبة جديدة لحماية الكذبة القديمة.
وهكذا ننتقل، بكل أسف، من الكذب المحلي إلى الكذب الدولي.
لكن العالم ليس غافلاً، والتاريخ ليس ساذجاً، والحقيقة لا تحتاج إلى مندوب كي يدافع عنها.
إنها فقط تحتاج إلى أن تُقال كما حدثت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.