الدولار يبتلع الجنيه… وأين الدولة؟

تيسير المبارك

حين يتجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز 6300 جنيه، لا يعود الأمر مجرد رقم يتغير على شاشات تجار العملات، بل يصبح إعلاناً صريحاً عن أزمة اقتصادية تتسلل إلى كل بيت سوداني، وإلى كل رغيف خبز، وكل عبوة دواء، وكل فاتورة كهرباء، وكل سلعة أساسية. وتشير تقارير حديثة إلى أن الدولار تجاوز بالفعل مستوى 6300 جنيه في السوق الموازية، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض التعاملات، وسط استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني.

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط اليوم ليس: كم أصبح سعر الدولار؟ بل: أين الدولة؟

منذ اندلاع الحرب، والجنيه السوداني ينزف بلا توقف، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد يوم. والأسواق لم تعد تعرف الاستقرار، والأسعار ترتفع مع كل قفزة في سعر الصرف، وكأن حياة السودانيين أصبحت رهينة لمؤشرات السوق الموازية.

المؤلم أن حكومة بورتسودان ما زالت تتحدث عن الإجراءات، بينما يتحدث المواطن عن لقمة العيش. تتحدث عن القرارات، بينما يتحدث الناس عن الجوع. تتحدث عن المستقبل، بينما لا يجد كثيرون ما يكفيهم ليومهم.

أي حكومة تُقاس بقدرتها على حماية عملتها الوطنية، لأنها عنوان الثقة في الاقتصاد والدولة. أما عندما يصبح الدولار هو الحاكم الفعلي للأسواق، وتفقد العملة المحلية قيمتها بهذه السرعة، فإن الأزمة لم تعد أزمة نقد أجنبي فقط، بل أزمة إدارة اقتصادية وثقة عامة.

لقد دفعت الحرب الاقتصاد السوداني إلى حافة الانهيار. تراجع الإنتاج، وتعطلت الزراعة والصناعة، وانهارت الصادرات، واتسعت السوق الموازية، وأصبحت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق أحد أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي.

والنتيجة؟ يدفعها المواطن وحده.

الموظف الذي لم تزد رواتبه بما يتناسب مع التضخم، والتاجر الذي يرفع الأسعار خوفاً من الخسارة، والمريض الذي يعجز عن شراء الدواء المستورد، والطالب الذي أصبح التعليم بالنسبة إليه عبئاً إضافياً على أسرته.

إن إدارة الاقتصاد لا تكون بالتصريحات المطمئنة، بل بإعادة بناء الثقة، واستقرار السياسات، ودعم الإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز المؤسسات المالية. والحرب نفسها تبقى من أكبر العوامل التي تعرقل أي فرصة لتعافي الاقتصاد.

ولا يمكن لأي حكومة أن تطلب من المواطنين الصبر إلى ما لا نهاية، بينما تتآكل دخولهم وتزداد كلفة الحياة عليهم كل يوم. فالاقتصاد ليس أرقاماً في تقارير رسمية، بل هو قدرة الناس على العيش بكرامة.

إن استمرار تراجع الجنيه ليس مجرد أزمة مالية، بل مؤشر على أزمة أعمق تحتاج إلى معالجات شاملة، تبدأ بوقف الحرب، وإعادة تنشيط الاقتصاد، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ووضع سياسات نقدية ومالية أكثر استقراراً.

فالسودانيون لا يريدون أن يسمعوا كل صباح رقماً جديداً لسعر الدولار، بل يريدون أن يروا دولة قادرة على حماية اقتصادها، وتخفيف أعباء مواطنيها، وإعادة الأمل إلى وطن أنهكته الحرب قبل أن ينهكه الغلاء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.