من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى مراجعة في سياق الحرب السودانية مفهوم «الانتصار».
كل طرف ينشر بياناته عن التقدم الميداني، والسيطرة على منطقة، والاستيلاء على قاعدة عسكرية، وإسقاط طائرة أو مسيّرة، وتدمير آلية، وأسر جنود أو قتل مقاتلين من الطرف الآخر.
وتنتشر الصور ومقاطع الفيديو، وتُرفع الشعارات، وتُصنع الروايات التي تقول إن هذا الطرف انتصر، وذاك الطرف انهزم.
لكن، إذا ابتعدنا قليلًا عن ضجيج المعركة، وطرحنا سؤالًا بسيطًا:
ماذا يعني الانتصار في الحرب؟
هل إسقاط طائرة أو مسيّرة انتصار؟
إنها الحرب.
هل تدمير دبابة أو عربة قتالية انتصار؟
إنها الحرب.
هل قتل مقاتلين من الطرف الآخر أو أسرهم انتصار؟
إنها الحرب.
هل السيطرة على مدينة أو قاعدة عسكرية انتصار نهائي؟
إنها أيضًا إحدى نتائج الحرب، وليست بالضرورة نهايتها.
فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الآليات التي دُمّرت، ولا بعدد المواقع التي تغيّرت السيطرة عليها، ولا بعدد الجنود الذين سقطوا من الطرف الآخر.
الانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الحرب، ويعود الناس إلى بيوتهم، وتعود المدارس والمستشفيات والأسواق إلى العمل، ويشعر المواطن بالأمان، وتعود الدولة إلى القيام بوظائفها.
أما أن تتقدم عسكريًا في منطقة بينما يموت المدنيون، وينزح السكان، وتنهار الخدمات، ويُدمَّر الاقتصاد، فهذه ليست صورة مكتملة للانتصار.
بيانات الانتصار لا تعني نهاية الحرب
في كل الحروب، تحتاج الأطراف المتقاتلة إلى رفع معنويات جنودها وأنصارها.
ولهذا تصبح المعركة أحيانًا حربًا أخرى على مستوى الإعلام.
يعلن كل طرف عن انتصاراته، ويبرز خسائر خصمه، وينشر الصور والمقاطع التي تعزز روايته، ويحاول إقناع جمهوره بأن ميزان المعركة يميل لصالحه.
وهذا مفهوم في سياق الحرب النفسية والإعلام العسكري.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتصار التكتيكي إلى وهم بأن الحرب اقتربت من نهايتها.
قد تسيطر على مدينة، ثم تخسرها.
وقد تستولي على قاعدة، ثم تعود المعارك حولها.
وقد تسقط طائرة، ثم تدخل عشرات الطائرات والمسيّرات الأخرى إلى المعركة.
وقد تأسر مجموعة من الجنود، ثم تُؤسر مجموعة أخرى في معركة لاحقة.
وهكذا تستمر الدائرة.
الميدان يتحرك، لكن الحرب نفسها تبقى.
ماذا ربح المواطن؟
وهنا يجب أن نضع المواطن السوداني في مركز السؤال.
حين تسقط طائرة، ماذا يحدث للمواطن؟
وحين تُدمَّر آلية عسكرية، ماذا يتغير في حياة الأسرة النازحة؟
وحين تنتقل السيطرة على مدينة من طرف إلى آخر، هل يعود الطفل إلى مدرسته؟
هل يعود المريض إلى مستشفاه؟
هل يعود العامل إلى مصنعه؟
هل يعود المزارع إلى أرضه؟
هل تعود الأسرة التي نزحت إلى منزلها؟
إذا كانت الإجابة «لا»، فعلينا أن نكون أكثر حذرًا في استخدام كلمة «انتصار».
لأن المواطن لا يعيش الحرب من خلال خرائط العمليات العسكرية فقط.
هو يعيشها في سعر الخبز، وانقطاع الكهرباء، ونقص المياه، وانهيار الخدمات الصحية، وفقدان مصدر الدخل، والنزوح، والخوف على أسرته، وفقدان المنزل، وتعطل التعليم.
أكبر الخسائر لا تظهر في بيانات الجيوش
المشكلة أن البيانات العسكرية تقيس الحرب بأرقام مختلفة:
عدد المواقع التي تمت السيطرة عليها.
عدد الآليات التي دُمّرت.
عدد الأسرى.
عدد القتلى من الخصم.
عدد الغارات والعمليات.
لكن هناك أرقامًا أخرى لا تحصل على القدر نفسه من الاهتمام:
عدد الأطفال الذين تركوا المدارس.
عدد الأسر التي فقدت منازلها.
عدد النازحين.
عدد المستشفيات التي توقفت عن العمل.
عدد المصانع والأسواق التي دُمّرت.
عدد المزارعين الذين فقدوا مواسمهم.
عدد الأسر التي فقدت أحد أفرادها.
هذه هي فاتورة الحرب الحقيقية.
وقد تكون أكبر بكثير من كل الانتصارات التي تعلنها الأطراف المتحاربة.
قد ينتصر طرف عسكريًا ويخسر السودان
يمكن لطرف أن يحقق تفوقًا عسكريًا في معركة، بل ويمكنه أن يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة.
لكن إذا كان ثمن ذلك المزيد من القتل والنزوح والدمار والانقسام المجتمعي، فإن السؤال لا يعود فقط:
من ربح المعركة؟
بل:
ماذا خسر السودان؟
قد يخسر طرف معركة، وقد يخسر طرف آخر منطقة، لكن السودان يمكن أن يخسر جيلًا كاملًا.
قد يخسر طرف مدينة، لكن البلاد تخسر اقتصادًا.
قد يخسر الجيش أو القوة المقاتلة عشرات الآليات، لكن الأسرة السودانية قد تخسر أبًا أو ابنًا أو أخًا لن يعود.
ولهذا فإن اختزال الحرب في ثنائية «منتصر ومهزوم» يظلم الحقيقة.
الحرب ليست مباراة
الحرب ليست مباراة كرة قدم.
في المباراة، هناك فائز وخاسر، وتنتهي المباراة ويعود اللاعبون إلى حياتهم.
أما الحرب، فحتى عندما تتوقف البنادق، تبقى آثارها في النفوس والبيوت والمجتمعات.
الجندي الذي فقد زميله لن ينسى بسهولة.
والأسرة التي فقدت منزلها لن تستعيد حياتها بمجرد إعلان السيطرة على مدينة.
والطفل الذي عاش سنوات الحرب لن يخرج منها كما دخلها.
والمدينة التي دُمّرت بنيتها التحتية تحتاج إلى سنوات لإعادة البناء.
لذلك، فإن أفضل نتيجة يمكن أن يحققها السودانيون ليست أن ينتصر طرف على طرف.
أفضل نتيجة هي أن تنتهي الحرب.
السودان يحتاج إلى انتصار من نوع آخر
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة «الانتصار».
الانتصار أن يتوقف القتل.
الانتصار أن يعود النازحون إلى ديارهم.
الانتصار أن يذهب الأطفال إلى المدارس.
الانتصار أن تعمل المستشفيات.
الانتصار أن يعود المزارع إلى أرضه.
الانتصار أن يعود الاقتصاد إلى الحياة.
الانتصار أن يستطيع السوداني أن يختلف مع سوداني آخر سياسيًا، دون أن يتحول الخلاف إلى بندقية.
والانتصار الأكبر أن يستعيد السودانيون وطنهم من الحرب.
أما إسقاط طائرة، أو تدمير آلية، أو السيطرة على قاعدة، أو قتل خصم، فهي نتائج للقتال، وقد تكون مهمة عسكريًا، لكنها لا تكفي وحدها لتسمية الحرب انتصارًا.
لأن الحقيقة القاسية هي:
في الحرب، قد يربح طرف معركة، وقد يخسر طرف معركة، لكن عندما يخسر المدنيون أمنهم وبيوتهم وأبناءهم ومستقبلهم، فإن الوطن كله يكون قد خسر.
ولهذا، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه كل صباح ليس:
«من انتصر اليوم؟»
بل:
«كم خسر السودان اليوم؟»
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.