المشاهدات مقابل الشرف الثقافي: إلى أين يسير الوعي الرقمي السوداني؟

بقلم: يوسف عزالدين

في أوقات المحن، لا تُخاض الحروب على جبهات القتال بالسلاح والذخيرة فحسب، بل تدار رحاها أيضاً في غرف وممرات الفضاء الرقمي المظلمة. وتخرج لنا كل يوم شخصية جديدة، بأسلوب مختلف عن الآخر، بهدف زرع مفاهيم تصبح من خلالها الهوية الوطنية السودانية، بثرائها وقيمها الضاربة في عمق التاريخ، هدفاً أثمن لجهات التخريب.

إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد فوضى عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو حرب ناعمة وممنهجة، تُستخدم فيها الشائعات كقنابل موجهة، وخطاب الكراهية كسموم بطيئة لتفتيت النسيج الاجتماعي المترابط، فيما يُستخدم المحتوى الهابط أداةً لتخدير الوعي وطمس ملامح الإنسان السوداني، الذي عُرف عبر العصور بعزته ومروءته وأصالة معدنه في جميع أنحاء المعمورة.

ولهذا، يتطلب الأمر تفعيل قوانين جرائم المعلوماتية، ومواجهة المنصات المحرِّضة، ووضع المجتمع أمام مسؤولية تاريخية للتصدي لهذه الظاهرة، من خلال المقاطعة الرقمية ودعم المحتوى التوعوي البديل، بما يعزز الوعي ويحمي القيم المجتمعية.

وقبل ذلك، لا بد من الإجابة عن أسئلة تخيم في عقول الكثيرين:

 

كيف تُدار المؤامرة؟

 

إن آلة التخريب الرقمي الموجهة ضد السودان تعتمد على استراتيجية خبيثة تقوم على صناعة التفاهة وتصديرها كواجهة للمجتمع، لإقناع الأجيال الناشئة بأن الانحلال والسطحية هما النمط السائد للحياة العصرية.

 

كما تعتمد بعض المنصات على خوارزميات ترفع من شأن الأصوات القبلية والجهوية المتطرفة، بما يؤجج الصراعات الداخلية ويخدم أجندات التفتيت.

وهي تغتال الرموز عبر تشويه صورة النخب الفكرية والأدبية والدينية التي تمثل حائط الصد القيمي للأمة السودانية.

فالمنصات لا تميز بالضرورة بين القيمة الأخلاقية أو المعرفية للمحتوى، بل تحكمها لغة الأرقام: عدد المشاهدات، ونسبة التفاعل، ومعدل بقاء المستخدم على المحتوى.

وهذا الانتشار يُترجم سريعاً إلى أرباح مالية وعقود إعلانية يسيل لها لعاب صناع المحتوى، مما يفرز ظاهرة الربح السريع على حساب القيمة، ويضع الشهرة في مواجهة القيم.

الجانب الآخر من المعادلة: الجمهور

أما الجانب الآخر، والأهم في هذه المعادلة، فهو الجمهور نفسه.

يمر المجتمع الحديث بحالة من الضغوط النفسية والاقتصادية اليومية، مما يجعل المتلقي يبحث عن تسلية سهلة وغير مجهدة ذهنياً، كنوع من الهروب من الواقع.

والاستهلاك السلبي لهذا المحتوى، حتى وإن كان بدافع السخرية أو الانتقاد، يرفع من أسهم صانعه، ويمنحه الشرعية والاستمرارية، لأن التفاعل، بأي صورة كان، يظل وقوداً لمنظومة الانتشار.

حراس الهوية:

كيف نواجه حرب التخريب الرقمي في السودان؟

إن الصمت حيال هذه الظاهرة، والوقوف في منطقة الحياد، لم يعد خياراً مقبولاً عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي الوجداني والاجتماعي.

فتقديم نماذج فردية على المنصات باعتبارها واجهة للمجتمع، يُعد تعميماً خاطئاً ومجحفاً؛ فالمجتمعات تُقاس بقيمها الراسخة، وتاريخها، وأغلبية أفرادها الواعية، لا بنزوات أفراد يبحثون عن التفاعل الرقمي.

والوعي الجماهيري يتطلب التمييز بين السلوك الفردي المنحرف وبين الهوية الجماعية الأصيلة، ودعم المحتوى الهادف، وتجاهل المحتوى المبتذل، ليبقى الفرد ممثلاً لنفسه، وتظل قيم المجتمع مصونة.

من يحاسب

في ظل أوضاع الحرب والنزوح، تراجع دور الدولة الرقابي.

فمتى يُفعَّل قانون جرائم المعلوماتية الصارم؟

اليوم، كثر الذين يسيئون إلى الكيان الوطني، ويبثون النعرات القبلية، وينشرون فحش القول، مستفيدين من حالة الفوضى التي فرضتها الحرب وضعف الرقابة.

لكن كيف يواجه المجتمع هذه الفوضى؟

يمكنه مواجهة ذلك عبر سلاح المقاطعة.

تجاهلوا المحتوى الفاسد؛ فالإهمال الإلكتروني والتجاهل التام هما المقصلة التي تقتل المحتوى الهابط مادياً ومعنوياً، وتحرم صانعه من التفاعل الذي يتغذى عليه.

كما ينبغي غرس مهارات النقد الذاتي والفرز القيمي لدى الأطفال والشباب، لحمايتهم من التلوث السمعي والبصري، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الذي يستهدف قيم المجتمع وتماسكه.

صناعة البديل

لا بد من صناعة البديل؛ فمعركة الوعي هي أم المعارك، والانتصار فيها ليس مستحيلاً على شعب سطر ملاحم النضال، وبنى حضارات النيل العظيمة.

ولمجابهة هذه التحديات، وملء الفراغ بتقديم نموذج أمثل، لا بد من الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية:

من يصنع البديل؟

وكيف يُعرَف؟

ولماذا يجنّد نفسه لهذه المهمة؟

وبماذا يُدعَم؟

وإلى أين يمضي به؟

ومن يستقبله، وما الغاية منه؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي الخطوة الأولى نحو بناء وعي رقمي سوداني قادر على حماية هويته، وصون قيمه، ومواجهة محاولات تحويل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة جديدة لاستنزاف المجتمع وتفكيكه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.