في كل مرة تشتعل فيها أزمة تتعلق باللاجئين في مصر، تخرج إلى السطح موجة من التعليقات التي تكشف أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالقانون أو بالإقامة أو بأعداد الوافدين، وإنما بدأت تمس شيئًا أكثر خطورة: نظرة بعض الناس إلى اللاجئ باعتباره عبئًا، أو دخيلًا، أو شخصًا لا يستحق البقاء.
يكفي أن تقرأ التعليقات على المنشورات التي تتناول أوضاع السودانيين أو السوريين أو الفلسطينيين، حتى تجد عبارات من نوع: «ارجعوا بلدكم»، «مصر ليست بلدكم»، «رحّلوا اللاجئين»، «قاعدين معانا على طول»، بل يصل الأمر أحيانًا إلى السخرية والإهانة والتشكيك في وطنية اللاجئ وحقه في طلب الحماية.
وهنا يجب أن نفرّق بين أمرين.
من حق الدولة المصرية أن تضع قوانين للهجرة والإقامة وأن تطبقها، وهذا أمر طبيعي تمارسه كل دول العالم. ومن حق المواطن المصري أيضًا أن يناقش أثر الهجرة واللجوء على الاقتصاد والخدمات وسوق العمل، وأن يطالب حكومته بالشفافية في إدارة هذا الملف.
لكن ليس من حق أحد أن يحوّل القانون إلى ذريعة لإهانة البشر.
أن تقول: «يجب الالتزام بقوانين الإقامة»، فهذا رأي يمكن مناقشته.
أما أن تقول للاجئ: «ارجع بلدك»، وكأنك تعرف ظروف الحرب التي فرّ منها، أو أن تصفه بأنه جاء ليستوطن بلدك، أو أن تسخر من معاناته، فهذه ليست مناقشة قانونية؛ بل خطاب إقصاء وكراهية.
اللاجئ لم يختر الحرب
السوداني الذي يعبر الحدود بحثًا عن الأمان لم يذهب إلى مصر لأنه قرر فجأة أن يترك وطنه ويبحث عن حياة مريحة.
وراء كثير من الوجوه السودانية في مصر قصة منزل تركه صاحبه، أو أسرة تفرقت، أو وظيفة توقفت، أو جامعة أُغلقت، أو مدينة تحولت إلى ساحة قتال.
قد يختلف الناس حول السياسات، وقد يختلفون حول حجم اللجوء وتكلفته الاقتصادية، لكن اختزال الإنسان في كلمة «لاجئ»، ثم التعامل معه باعتباره مشكلة يجب التخلص منها، هو اختزال قاسٍ وغير عادل.
والأكثر غرابة أن البعض يتعامل مع الحرب وكأنها انتهت بمجرد صدور تصريح سياسي، ثم يسأل: «الحرب خلصت، قاعدين ليه؟»
لكن هل العودة إلى بلد خرج من حرب تعني ببساطة ركوب حافلة والعبور من الحدود؟
ماذا عن الأمن؟
ماذا عن المنزل الذي دُمّر؟
ماذا عن العمل الذي فُقد؟
ماذا عن المدارس والمستشفيات؟
ماذا عن الألغام ومخلفات الحرب؟
وماذا عن ملايين الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بالكامل بسبب النزاع؟
العودة ليست جملة تُكتب في تعليق على فيسبوك. العودة قرار مرتبط بالأمان والكرامة وإمكانية بناء حياة من جديد.
المشكلة ليست في القانون
من المهم أيضًا ألا يقع الخطاب المقابل في الخطأ نفسه.
فليس كل مصري ينتقد وجود اللاجئين عنصريًا، وليس كل مطالبة بتنظيم الإقامة خطاب كراهية.
هناك مواطن مصري قد يكون بالفعل متضررًا من ارتفاع أسعار السكن، أو الضغط على بعض الخدمات، أو المنافسة في سوق العمل، ومن حقه أن يطرح هذه الأسئلة.
لكن المسؤولية هنا تقع على الدولة والإعلام والمجتمع في فصل النقاش السياسي والاقتصادي عن التحريض ضد جنسية أو مجموعة بشرية بأكملها.
إذا كانت هناك مخالفة قانونية، فالقانون يتعامل معها.
إذا كانت هناك مشكلة في الإقامة، فهناك إجراءات رسمية.
إذا كانت هناك أعباء اقتصادية، فالحكومة مطالبة بتقديم الأرقام والحلول.
أما أن يتحول الأمر إلى «السودانيون ارحلوا»، و«السوريون ارحلوا»، و«الفلسطينيون ارحلوا»، فهنا نغادر مساحة النقاش العام وندخل منطقة خطيرة اسمها الوصم الجماعي.
اللاجئ ليس فاتورة
من أكثر العبارات التي تثير الانتباه في التعليقات وصف اللاجئين بأنهم «فاتورة» يتحملها المواطن.
لكن الإنسان ليس فاتورة.
اللاجئ قد يكون مستفيدًا من خدمات، وقد يكون عاملًا أو صاحب مشروع أو طالبًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو صحفيًا أو مدرسًا.
وفي الوقت نفسه، نعم، وجود أعداد كبيرة من اللاجئين يمكن أن يخلق ضغوطًا على بعض الخدمات والموارد. وهذه حقيقة يمكن بحثها بالأرقام والدراسات، وليس بالشائعات والتعميمات.
وهنا يأتي دور الدولة في إدارة الملف، ودور المنظمات الدولية في تحمّل مسؤولياتها، ودور الإعلام في تقديم صورة متوازنة، بدلًا من ترك النقاش رهينة للتعليقات الغاضبة.
إلى المصري الغاضب
إذا كنت غاضبًا من سياسات بلدك تجاه اللاجئين، فمن حقك أن تعترض.
إذا كنت ترى أن الدولة لا تدير ملف الهجرة بصورة جيدة، فمن حقك أن تطالبها بالإصلاح.
إذا كنت تعتقد أن هناك مخالفات قانونية، فمن حقك أن تطالب بتطبيق القانون.
لكن لا تجعل اللاجئ السوداني عدوك لأنه سوداني.
ولا تجعل السوري عدوك لأنه سوري.
ولا تجعل الفلسطيني عدوك لأنه فلسطيني.
انتقد الحكومة، ناقش القانون، طالب بالشفافية، ناقش الاقتصاد؛ لكن لا تعاقب إنسانًا على جنسيته.
وفي المقابل، على اللاجئين أنفسهم احترام قوانين البلد المضيف، والالتزام بإجراءات الإقامة والعمل، وعدم الدخول في صدامات مع المجتمع أو مؤسسات الدولة.
فالعيش المشترك يحتاج إلى مسؤولية من الطرفين.
في النهاية
ما تكشفه هذه التعليقات ليس فقط أزمة لاجئين، وإنما أزمة في طريقة حديثنا عن الإنسان عندما يكون ضعيفًا وبعيدًا عن وطنه.
قد تتغير الحكومات، وقد تتغير قوانين الهجرة، وقد تنتهي الحروب، لكن الكلمات التي قيلت في لحظة غضب قد تترك أثرًا طويلًا في نفس إنسان فقد وطنه بالفعل.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: «لماذا لا يعود اللاجئون؟»
بل يجب أن نسأل أولًا:
هل أصبح الطريق إلى العودة آمنًا؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعود إلى وطنه دون أن يعود إلى الخوف؟
حتى يحدث ذلك، يبقى اللاجئ إنسانًا قبل أن يكون رقمًا في ملف الهجرة، وقبل أن يكون عبئًا في نقاش اقتصادي، وقبل أن يكون هدفًا لتعليق غاضب على مواقع التواصل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.