من نتيجة الشهادة السودانية إلى ميلاد حكومة الوحدة والسلام.. هل بدأت دولة 56 تفقد احتكارها للمشهد؟
لم تعد دارفور تنتظر أن يأتيها السودان من الخرطوم.
هذه هي الرسالة الأكثر وضوحًا التي يمكن قراءتها في التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها اعتماد نتيجة الشهادة السودانية التي أُجريت في مناطق سيطرة تحالف تأسيس.
قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد اعتماد لنتيجة امتحانات، لكنه في عمقه السياسي أكبر بكثير من ذلك.
فحين تُجرى امتحانات، وتُعلن نتائج، ويجد آلاف الطلاب طريقهم إلى مستقبلهم الأكاديمي، فإن المسألة لا تعود مجرد شأن تعليمي. إنها تصبح اختبارًا لقدرة أي سلطة على إدارة الحياة العامة، وحماية حقوق المواطنين، وبناء المؤسسات في واحدة من أكثر مناطق السودان تأثرًا بالحرب والتهميش.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الشهادة السودانية تفتح بابًا سياسيًا مغلقًا
لسنوات طويلة ظل السودان يتعامل مع أقاليمه كما لو أن الدولة تبدأ وتنتهي في المركز.
كان المركز يقرر، والأطراف تنتظر.
المركز يتحدث، والأطراف تُسمع أصواتها بصعوبة.
المركز يمتلك المؤسسات، بينما تعاني مناطق واسعة من ضعف الخدمات وغياب التنمية والاستقرار.
لكن هذا الواقع يتغير.
اعتماد نتيجة الشهادة السودانية في مناطق خارج السيطرة التقليدية للمركز يحمل رسالة سياسية واضحة: هناك واقع جديد يتشكل على الأرض، وهناك قوى ومجتمعات لم تعد مستعدة للبقاء مجرد متلقٍ للقرارات.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل تستطيع الدولة السودانية القديمة أن تتعامل مع هذا الواقع بعقلية الماضي؟
الإجابة تبدو أصعب من أي وقت مضى.
دارفور تقول: نحن هنا!
دارفور ليست مجرد إقليم في خارطة السودان.
دارفور أصبحت واحدة من أهم مفاتيح الصراع على تعريف الدولة السودانية نفسها.
فما يجري فيها اليوم لا يمكن عزله عن عقود من الأسئلة المتعلقة بالسلطة والثروة والعدالة والتنمية والتمثيل السياسي.
لقد ظل أبناء دارفور يسمعون كثيرًا عن الدولة، لكنهم كثيرًا ما عاشوا بعيدًا عن مؤسساتها الفاعلة.
واليوم، حين تبدأ مؤسسات جديدة في الظهور، وحين تتم إدارة شؤون المواطنين، وحين يحصل الطلاب على نتائجهم، فإن الرسالة تصبح أكثر مباشرة:
دارفور لم تعد تنتظر الاعتراف بوجودها السياسي؛ إنها تفرض سؤالها على طاولة السودان كله.
وهذا هو جوهر التحول.
من يسيطر على الأرض؟ سؤال تجاوزه الزمن
طوال سنوات الحرب، انشغل السودانيون بسؤال واحد:
من يسيطر على هذه المنطقة؟
لكن السودان اليوم يحتاج إلى سؤال أكثر عمقًا:
من يستطيع أن يدير الدولة؟
السيطرة العسكرية قد تمنح نفوذًا، لكنها لا تصنع دولة.
الدولة تُقاس بقدرتها على توفير التعليم، والصحة، والأمن، والقضاء، والخدمات، وحماية الحقوق.
ولهذا فإن اعتماد نتائج الطلاب يحمل أهمية سياسية لأنه يضع المؤسسات أمام امتحان حقيقي.
إذا كانت هناك سلطة قادرة على إدارة الامتحانات والنتائج والخدمات، فإنها مطالبة بالانتقال خطوة أخرى: بناء مؤسسات عادلة وشفافة، لا مؤسسات تخدم طرفًا سياسيًا أو عسكريًا.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لتحالف تأسيس وكل القوى التي تتحدث باسم السودان الجديد.
«دولة 56» أمام المرآة
ظل تعبير «دولة 56» حاضرًا بقوة في خطاب قوى الهامش، باعتباره رمزًا لنظام سياسي يرى منتقدوه أنه كرّس هيمنة المركز وأبقى الأطراف في دائرة التهميش.
لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الأزمة أكبر من مجرد رقم.
الأزمة في طريقة بناء الدولة نفسها.
فإذا كانت الدولة قد تأسست على مركز قوي وأطراف ضعيفة، فإن استمرار هذه المعادلة يعني استمرار الأزمة حتى لو تغيرت الوجوه.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط إسقاط «دولة 56» كشعار، وإنما تجاوزها كمفهوم.
السودان الجديد لا ينبغي أن يكون نسخة معكوسة من السودان القديم.
لا ينبغي أن ينتقل الاحتكار من مركز إلى هامش.
ولا أن تستبدل نخبة بنخبة.
ولا أن يصبح الظلم مقبولًا فقط لأن الذين يمارسونه جاءوا من مناطق عانت من الظلم سابقًا.
السودان الجديد الحقيقي هو الذي لا يحتاج فيه أي سوداني إلى البحث عن مركز جديد حتى يحصل على حقه.
حكومة الوحدة والسلام.. الاسم وحده لا يكفي
الحديث عن ميلاد حكومة الوحدة والسلام يأتي في توقيت شديد الحساسية.
فالبلاد منهكة.
الحرب تركت جراحًا عميقة.
المجتمع منقسم.
والثقة بين السودانيين ومؤسسات الدولة وصلت إلى مستويات خطيرة.
في مثل هذا الوضع، فإن أي حكومة ترفع راية الوحدة والسلام أمامها مهمة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه أمام امتحان عسير.
فالوحدة ليست مؤتمرًا سياسيًا.
والسلام ليس بيانًا.
والدولة ليست علمًا ونشيدًا.
الدولة هي أن يشعر المواطن، أينما كان، بأن حياته وحقوقه وكرامته محمية.
إذا استطاعت حكومة الوحدة والسلام أن تجعل هذه المبادئ واقعًا، فإنها ستفتح صفحة جديدة.
أما إذا تحولت إلى مجرد عنوان سياسي آخر، فإنها ستفقد أهم فرصة أمامها.
الرسالة الأقوى: المواطن قبل السياسة
في قلب كل هذه الحسابات السياسية يوجد المواطن.
والطلاب الذين حصلوا على نتائج الشهادة السودانية ليسوا جنودًا في هذه المعركة السياسية.
إنهم أبناء السودان.
هم الذين دفعوا ثمن الحرب دون أن يختاروها.
ولهذا فإن أهم ما يمكن أن تفعله القوى السياسية هو إخراج التعليم من دائرة الصراع.
الطالب يجب ألا يُسأل عن الجهة التي تسيطر على منطقته قبل أن يحصل على حقه في التعليم.
والشهادة يجب ألا تتحول إلى جائزة سياسية.
والجامعة يجب ألا تكون ساحة صراع.
إذا كان الحديث جادًا عن السودان الجديد، فإن أول عنوان لهذا السودان يجب أن يكون:
لا طفل يدفع ثمن السياسة.
المركز أمام خيارين
أمام الخرطوم، وأمام القوى السياسية التي ظلت تنظر إلى الأقاليم من أعلى، خياران لا ثالث لهما.
إما الاعتراف بأن السودان تغير، وأن إدارة البلاد بعقلية ما قبل الحرب لم تعد ممكنة.
أو محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء بسهولة.
لقد تغيرت خريطة القوة.
وتغيرت طبيعة الوعي السياسي.
وأصبح أبناء الأقاليم أكثر قدرة على تنظيم أنفسهم والتعبير عن مطالبهم.
لم يعد من الممكن أن تُدار دارفور أو كردفان أو الشرق أو النيل الأزرق بذهنية «المركز يعرف أكثر».
السودان اليوم بحاجة إلى شراكة حقيقية.
والهامش أمام مسؤولية تاريخية
لكن على قوى الهامش أن تسمع أيضًا نصف الرسالة الآخر.
فامتلاك الحق في المطالبة بالعدالة لا يعني امتلاك الحق في ظلم الآخرين.
ومن يرفض الإقصاء عليه أن يرفضه للجميع.
ومن يطالب بالمواطنة المتساوية عليه أن يطبقها في المناطق التي يديرها.
ومن يتحدث عن الديمقراطية عليه أن يبدأ من داخل مؤسساته.
ومن يرفع شعار السلام عليه أن يجعل القانون فوق السلاح.
هذه هي اللحظة التي يجب فيها الانتقال من سياسة الاحتجاج إلى سياسة البناء.
فالناس لا يريدون فقط تغيير من يحكم.
الناس يريدون تغيير طريقة الحكم.
السودان الجديد.. هل بدأ من الهامش؟
ربما يكون من المبكر القول إن السودان الجديد قد وُلد بالفعل.
لكن من الصعب إنكار أن هناك واقعًا جديدًا يتشكل.
والواقع الجديد لا تصنعه الخطب وحدها.
تصنعه المؤسسات.
تصنعه قدرة الناس على الحصول على حقوقهم.
تصنعه المدارس التي تفتح أبوابها.
تصنعه الامتحانات التي تُجرى.
تصنعه النتائج التي تُعلن.
تصنعه الإدارة التي تعمل.
وتصنعه قدرة السلطة على حماية المواطن بدلًا من تحويله إلى وقود للصراع.
ومن هذه الزاوية، يصبح اعتماد نتيجة الشهادة السودانية حدثًا له معنى يتجاوز التعليم.
إنه اختبار مبكر لمرحلة سياسية جديدة.
لا عودة إلى السودان القديم
السودان الذي خرج من سنوات الحرب ليس هو السودان الذي دخلها.
هناك جيل جديد ولد في قلب الأزمة، وشاهد انهيار مؤسسات كثيرة، وتعلم أن الدولة ليست شيئًا مقدسًا فوق النقد، وأن المواطن يستطيع أن يسأل:
من يحكم؟
ولماذا يحكم؟
ولمن تحكم الدولة؟
وهذه الأسئلة لن تختفي.
حتى لو توقفت الحرب غدًا، فإن الأزمة السياسية ستبقى ما لم تتم معالجة جذورها.
لذلك فإن المطلوب ليس مجرد إيقاف إطلاق النار.
المطلوب إعادة بناء السودان على أساس جديد.
أساس لا يكون فيه المركز سيدًا والهامش تابعًا.
ولا يكون فيه السلاح مصدر الشرعية.
ولا تكون فيه الخدمات امتيازًا سياسيًا.
دارفور كسرت الجمود.. فمن يكمل الطريق؟
ربما تكون دارفور قد كسرت اليوم واحدًا من أهم الحواجز النفسية والسياسية في السودان.
حاجز الاعتقاد بأن المؤسسات لا يمكن أن تعمل إلا من خلال المركز.
لكن كسر الجمود ليس نهاية الطريق.
إنه بدايته.
فالمرحلة القادمة ستكون أصعب.
كيف تُبنى مؤسسات مستقلة؟
كيف تُحفظ حقوق المواطنين؟
كيف تُدار الموارد؟
كيف تُحمى الأقليات والمكونات المختلفة؟
كيف تُضمن حرية التعبير؟
كيف تتحول حكومة الوحدة والسلام من عنوان إلى واقع؟
وكيف يصبح السودان الجديد دولة لكل السودانيين وليس مشروعًا لفصيل أو إقليم؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كانت اللحظة الحالية مجرد محطة عابرة أم بداية لتحول تاريخي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.