السُّودَانُ تَحْتَ رَحَى السَّغَبِ

هشام محمد شريف

يَمُرُّ السُّودَانُ بِأَعْنَفِ هَزَّةٍ كِيَانِيَّةٍ فِي تَارِيخِهِ الْحَدِيثِ؛ إِذْ لَمْ تَعُدْ أَصْدَاءُ الرَّصَاصِ وَدَوِيُّ الْمَدَافِعِ هِيَ الْخَطَرَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَتَهَدَّدُ وُجُودَ الْمُوَاطِنِينَ، بَلْ بَاتَ قَرِيرُ الْأَمْعَاءِ الْخَاوِيَةِ وَأَنِينُ الصِّغَارِ فِي الْمُعَسَّكَرَاتِ هُوَ الْوَاقِعَ الْأَشَدَّ فَتْكًا. لَقَدْ تَبَدَّدَتْ كُلُّ مُحَاوَلَاتِ التَّقْلِيلِ مِنْ حَجْمِ الْكَارِثَةِ أَمَامَ سَيْلِ التَّقَارِيرِ الْمَيْدَانِيَّةِ وَالْأُمَمِيَّةِ الصَّادِمَةِ، وَالَّتِي تُؤَكِّدُ أَنَّ الْبِلَادَ تَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ أَكْبَرِ مَأْسَاةِ جُوعٍ يَشْهَدُهَا الْعَالَمُ فِي عَصْرِنَا الْحَالِيِّ.
صَدْمَةُ الْأَرْقَامِ:
نِصْفُ السُّكَّانِ فِي مَهَبِّ الْجُوعِ
تُظْهِرُ بَيَانَاتُ لِجَانِ التَّصْنِيفِ الْمَرْحَلِيِّ لِلْأَمْنِ الْغِذَائِيِّ (IPC) بِالشَّرَاكَةِ مَعَ وِكَالَاتِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ أَنَّ نَحْوَ عِشْرِينَ مِلْيُونَ سُودَانِيٍّ يَرْزَحُونَ تَحْتَ وَطْأَةِ انْعِدَامِ الْأَمْنِ الْغِذَائِيِّ الْحَادِّ.
وَقَدْ تَجَاوَزَ التَّوْصِيفُ مَرْحَلَةَ «الْخَطَرِ الْمُحْدِقِ» لِيَتَحَوَّلَ إِلَى إِعْلَانٍ رَسْمِيٍّ لِلْمَجَاعَةِ (الْمَرْحَلَةُ الْخَامِسَةُ – الْكَارِثِيَّةُ) فِي مَنَاطِقَ عِدَّةٍ، فِي مُقَدِّمَتِهَا مُخَيَّمُ «زَمْزَمَ» فِي شَمَالِ دَارْفُورَ، إِضَافَةً إِلَى مَنَاطِقَ وَاسِعَةٍ فِي مَدِينَةِ الْفَاشِرِ وَجَنُوبِ كُرْدُفَانَ، حَيْثُ تَخَطَّتْ نِسَبُ سُوءِ التَّغْذِيَةِ الْحَادِّ فِي بَعْضِ الْمَحَلِّيَّاتِ مِثْلَ «أُمِّ بُرُو» وَ«كَرْنُوِي» حَاجِزَ 52% بَيْنَ الْأَطْفَالِ.
شَهَادَاتٌ حَيَّةٌ مِنْ دَاخِلِ الْمُعَسَّكَرَاتِ
تَنْقُلُ الْأَنْبَاءُ وَالشَّهَادَاتُ الْمَيْدَانِيَّةُ مِنْ مُخَيَّمَاتِ النُّزُوحِ فِي دَارْفُورَ وَالْقَضَارِفِ وَنَهْرِ النِّيلِ صُوَرًا تُجَسِّدُ حَجْمَ الْمَأْسَاةِ:
تَرْوِي «مَرْيَمُ»، نَازِحَةٌ فِي مُخَيَّمِ زَمْزَمَ، فَقْدَهَا لِطِفْلَيْهَا خِلَالَ شَهْرٍ وَاحِدٍ: «لَمْ يَمُوتَا بِالرَّصَاصِ، بَلْ جَفَّتْ أَجْسَادُهُمَا شَيْئًا فَشَيْئًا أَمَامَ عَيْنَيَّ دُونَ أَنْ أَجِدَ كِسْرَةَ خُبْزٍ أَوْ قَطْرَةَ حَلِيبٍ، وَبَاتَ طَعَامُنَا الْيَوْمِيُّ أَوْرَاقَ الْأَشْجَارِ الْمَغْلِيَّةَ فِي الْمَاءِ».
فِي مَنَاطِقِ النُّزُوحِ بِوِلَايَةِ الْقَضَارِفِ، يَقُولُ أَحَدُ مُتَطَوِّعِي غُرَفِ الطَّوَارِئِ: «الْمَطَابِخُ التَّكَافُلِيَّةُ (التَّكَايَا) الَّتِي كَانَتْ تُنْقِذُ آلَافَ الْأُسَرِ بَدَأَتْ تَتَوَقَّفُ تِبَاعًا بِسَبَبِ نَفَادِ الْمَوَادِّ التَّمْوِينِيَّةِ وَانْعِدَامِ التَّمْوِيلِ؛ نَحْنُ نَفْقِدُ الْأَرْوَاحَ يَوْمِيًّا دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْنَا أَحَدٌ».

انْهِيَارُ سَلَّةِ الْغِذَاءِ
إِحْصَائِيَّاتُ الْقِطَاعِ الزِّرَاعِيِّ
تَمْتَدُّ جُذُورُ الْأَزْمَةِ إِلَى تَعَطُّلِ الْعَمَلِيَّةِ الْإِنْتَاجِيَّةِ فِي الْمَنَاطِقِ الَّتِي كَانَتْ تُمَثِّلُ سَلَّةَ غِذَاءِ السُّودَانِ:

مَشْرُوعُ الْجَزِيرَةِ
أَدَّى تَمَدُّدُ الْعَمَلِيَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ إِلَى تَعَطُّلِ أَكْثَرِ مِنْ 70% مِنَ الْمِسَاحَاتِ الْمَزْرُوعَةِ، مَعَ نَهْبِ مَخَازِنِ الْبُذُورِ وَتَدْمِيرِ شَبَكَاتِ الرَّيِّ وَالْآلِيَّاتِ الزِّرَاعِيَّةِ.
الْإِنْتَاجُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَارِفِ
تَضَرَّرَ قِطَاعُ الزِّرَاعَةِ الْمَطَرِيَّةِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ جَرَّاءَ ارْتِفَاعِ أَسْعَارِ الْوُقُودِ وَالْمُدْخَلَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ، مِمَّا هَبَطَ بِمُعَدَّلَاتِ إِنْتَاجِ مَحْصُولِ «الذُّرَةِ» الرَّئِيسِيِّ بِنِسَبٍ تَتَجَاوَزُ 45% مُقَارَنَةً بِمُتَوَسِّطِ السَّنَوَاتِ السَّابِقَةِ.
سَلَاسِلُ الْإِمْدَادِ
أَدَّى انْقِطَاعُ طُرُقِ النَّقْلِ الْبَرِّيِّ وَتَفَشِّي حَالَاتِ النَّهْبِ إِلَى عَجْزِ الْمزارعين عَنْ إِيصَالِ الْمَحَاصِيلِ إِلَى مَرَاكِزِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي الْعَاصِمَةِ وَالْوِلَايَاتِ الْأُخْرَى.

خَرِيطَةُ طَرِيقٍ عَاجِلَةٍ لِاحْتِوَاءِ الْمَأْسَاةِ

فَتْحُ الْمَمَرَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ
إِزَالَةُ جَمِيعِ الْعَرَاقِيلِ الْبِيرُوقْرَاطِيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ أَمَامَ قَوَافِلِ الْإِغَاثَةِ، وَتَأْمِينُ مَعَابِرِ الدُّخُولِ الْبَرِّيَّةِ وَالْجَوِّيَّةِ لِضَمَانِ وُصُولِ الْإِمْدَادَاتِ لِلْمَنَاطِقِ الْمُحَاصَرَةِ.
هُدَنٌ إِنْسَانِيَّةٌ مَوْضِعِيَّةٌ
فَرْضُ هُدَنٍ مَحَلِّيَّةٍ تُتِيحُ لِلْمُنَظَّمَاتِ الطِّبِّيَّةِ وَالْإِغَاثِيَّةِ مُعَالَجَةَ حَالَاتِ سُوءِ التَّغْذِيَةِ الْحَادِّ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
التَّمْوِيلُ الدَّوْلِيُّ الْمُبَاشِرُ
سَدُّ الْفَجْوَةِ التَّمْوِيلِيَّةِ فِي خِطَطِ الِاسْتِجَابَةِ الْأُمَمِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَتَلَقَّ سِوَى نِسْبَةٍ ضَئِيلَةٍ مِنْ مِيزَانِيَّتِهَا الْمَطْلُوبَةِ.
دَعْمُ غُرَفِ الطَّوَارِئِ الشَّعْبِيَّةِ تَقْدِيمُ الدَّعْمِ الْمَالِيِّ وَاللُّوجِسْتِيِّ لِلْمُبَادَرَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ وَمَطَابِخِ التَّكَافُلِ الشَّعْبِيِّ الَّتِي تُمَثِّلُ شِرْيَانَ الْحَيَاةِ الْوَحِيدَ لِمَلَايِينِ الْمُحَاصَرِينَ.
إِنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَمْضِي فِي ظِلِّ اسْتِمْرَارِ الْقِتَالِ وَتَعَطُّلِ الْإِغَاثَةِ يَعْنِي كِتَابَةَ شَهَادَةِ وَفَاةٍ لِمِئَاتِ الْأَبْرِيَاءِ.
لَقَدْ تَجَاوَزَ السُّودَانُ مَرْحَلَةَ التَّحْذِيرَاتِ، وَبَاتَتِ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالتَّارِيخِيَّةُ تُحَتِّمُ عَلَى كَافَّةِ الْأَطْرَافِ تَغْلِيبَ حَقِّ الْحَيَاةِ عَلَى أَيِّ اعْتِبَارٍ آخَرَ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.