السودان في مخاض «الشرق» الكبير؟!

الجميل الفاضل

ليس التاريخُ كتاباً تُفتحُ صفحاته بعد وقوع الأحداث، إنما هو سجادةٌ تُنسج في الخفاء؛ خيطٌ يلتقي بخيط، وعقدةٌ بأخرى، حتى إذا اكتملت الصورة هبط ما كان مستتراً إلى أرض الواقع.
ولعل ما نراه اليوم من اضطرابٍ عظيم في الشرق الكبير، ليس سوى لحظةٍ من لحظات اكتمال هذه الصورة.
فقد ظل الإنسان، منذ القدم، يحاول أن يرى المستقبل قبل أن يأتي: رآه بعضهم في النبوءة، ورآه آخرون في النجوم والرموز، ثم جاء عصر الأرقام فحاول أن يراه غيرهم في الاحتمالات ونماذج القوة والصراع.
اختلفت الأدوات، لكن السؤال ظل واحداً: هل العالم مقبلٌ على تحولٍ كبير ينتقل فيه مركز الثقل من جهةٍ إلى جهة؟، هنا تظهر نبوءاتٌ قديمة كأنها ظلالٌ بعيدة لما نراه اليوم.
فما نُسب إلى نوستراداموس من إشارات إلى صراعات تبدأ من أرض فارس لتمتد بآثارها إلى العالم، وما نُسب إلى العرافة البلغارية فانغا من حديث عن أفول الغرب وتحول مركز الثقل نحو الشرق، لا ينبغي أن نضعه في مقام اليقين، لكن لا ينبغي كذلك أن نمنع أنفسنا من التأمل في دلالته.
فالنبوءة ليست بالضرورة خبراً عن المستقبل؛ قد تكون أحياناً مرآةً مبكرة لقلقٍ يسكن الحاضر.
ثم جاء الرقم، جاءت النماذج الاستراتيجية، ونظرية الألعاب على يد الأكاديمي المعاصر جيانغ شويكين برياضيات «التاريخ التنبؤي»، وحسابات صعود القوى وسقوطها، لتقول بلغةٍ باردة ما قاله الرمز بلغةٍ ساخنة: إن موازين القوة ليست أبدية، وإن الإمبراطوريات، حين تبلغ ذروة تمددها، قد تدخل من حيث لا تشعر في طور استنزافها، وهكذا تتحول النبوءة إلى احتمال، والاحتمال إلى نموذج، والنموذج إلى سياسة، لكن الرقم، مهما بلغ من الدقة، لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الأخير: لماذا تجتمع النيران في هذه البقعة بالذات؟ ولماذا تتراكم الأزمات في قوسٍ واحد يمتد من إيران والعراق إلى غزة واليمن والبحر الأحمر؟ ولماذا يبدو الشرق الأوسط، مرةً أخرى، كأنه يدخل غرفة التاريخ الضيقة حاملاً العالم كله على كتفيه؟.
هنا تبدأ السياسة، فالشرق لم يعد مجرد جغرافيا للصراع، بل صار ميداناً تتقاطع فيه الإمبراطوريات القديمة، والقوى الصاعدة، وممرات الطاقة، والبحار، والأسواق، والتحالفات، وحروب الوكالة، والطموحات التي تريد إعادة كتابة ميزان العالم.
لكن السياسة وحدها تصف حركة القطع على هذه الرقعة، ولا تكشف اليد التي تحرك الرقعة ذاتها.
وهنا نصل بالضرورة إلى فقه السنن، ففي الرؤية الإيمانية، ليست حركة التاريخ فوضى، ولا القوة قانوناً أبدياً، هناك سنن لا تتبدل منها: أن الظلم يحمل بذرة فنائه، وأن الاستعلاء حين يبلغ غايته يبدأ في صناعة أسباب سقوطه بنفسه، وأن المحنة قد تكون أحياناً مختبراً للإنسان قبل أن تكون عقوبةً له.
وهنا قد تلتقي المعانى التي أعادها علماء ومفكرون إسلاميون، من الشيخ الشعراوي إلى الدكتور محمد راتب النابلسي، ومعهما قراءات أرباب الأثر كأبي عبد الله المقدادي، فضلاً عن الطرح التحليلي للمصري وسيم السيسي، الذي يحذر في ذات الوقت من استعجال النبوءات والتعلق بمواعيدها وتفاصيلها.
فليس المهم أن نسأل: متى تقع النبوءة؟ لكن: ما السنة التي تكشفها الأحداث؟ ذلك هو الفارق بين من يطارد الغيب ومن يقرأ الوقائع.
فقد يجتمع الباطل في موضعٍ واحد، وتتراكم أسباب قوته، ويبدو للناظر أنه قد أحكم قبضته على العالم؛ لكن اجتماع الأشياء في ذروتها قد يكون أحياناً بداية تفككها، وكأن التاريخ يقول: حين يجتمع الزبد في أعلى الموجة، لا يعني ذلك أنه صار ماءً؛ إنما قد يكون اقترب أكثر من لحظة ذهابه جفاءً.
وفي مثل هذا المنعطف، قد يخرج السودان من هامش الأحداث ليدخل إلى قلب معادلاتها، فهذا البلد الذي يبدو في ظلال الأخبار كأنه جرحٌ داخلي، وحربٌ منسية بين قوتين، وأضخم أزمة إنسانية عابرة للحدود.
ماذا لو أضحى هو نفسه الحلقة التي لا تظهر في الجملة إلا بعد اكتمال الصورة؟
وللحقيقة، فالسودان ليس مجرد بلدٍ على تخوم الشرق، إنما هو إفريقيا حين تلامس جزيرة العرب، والنيل عندما يعانق البحر، والقارة السمراء حين تفتح نوافذها على الممرات البحرية، والجنوب الذي يحمل ماءه شمالاً، كأنه يحمل سراً قديماً، من قلب القارة إلى قلب العالم.
إنه البرزخ الذي لو أنه اختل لاختلت معه معادلات البحر الأحمر كلها، ولتغيرت فيه حسابات الموانئ والممرات، قبل أن تتصل به حلقاتٌ كانت تبدو متباعدة من باب المندب إلى أعماق الشرق البعيد.
لهذا، قد لا تكون الحرب السودانية حادثاً عرضياً منفصلاً عن مخاض الشرق الكبير، بل هي في الواقع إحدى أكثر حلقات هذا المخاض غموضاً.
المهم، فإن السودان يُصهر الآن.
والصهر لا يختبر المعدن وحده؛ إنما يكشفه في النار لتسقط الطلاءات، وتتساقط الشعارات.
لكن المحنة الأشد هي أن هذه الحرب لا تهدم المدن فقط، لكنها تهدم معها كذلك كثيراً من الأصنام التي أقامها الإنسان داخل نفسه: أصنام القوة، وأصنام القبائل، وأصنام الأحزاب، وأصنام الزعامات، وأصنام الوهم القائل إن خلاص الوطن يمكن أن يأتي من الخارج.
ولذلك، فإن سؤال السودان الحقيقي ليس: في من سينتصر في هذه الحرب؟ لكن: أيُّ إنسانٍ سيخرج من تحت رمادها، وأيُّ وطن سيولد بين يديها؟
وهنا تكتمل المعادلة: النبوءة تلتقط الظل، والرقم يحسب الاحتمال، والسياسة تدير الصراع، لكن السنة تكشف الجوهر، ثم يأتي السودان ليضع كل هذه المعاني في امتحان الواقع.
على أية حال، ليس المطلوب أن نصدق كل نبوءة، ولا أن نكذب أي نبوءة؛ فالمطلوب أن نقرأها ثم نعود إلى الأرض، إلى الإنسان، إلى السنن، إلى السؤال الذي لا تستطيع لا النبوءة، ولا الأرقام، ولا الجيوش، أن تجيب عليه: ماذا يريد الله أن يغيّر فينا عندما يسمح للتاريخ أن يهتز بهذا القدر العنيف؟
ربما يكون الشرق في مخاضٍ كبير، لكن المخاض الحقيقي ليس مخاض الخرائط وحدها، إنه مخاض الإنسان، ولعل السودان، وهو الآن في قاع محنته، لا يقف خارج هذا التحول كما يبدو، بل يقف في غرفةٍ سرية من غرفه الخفية، هناك، حيث تُنسج السجادة قبل أن يراها أحد، وحيث يتحول الألم من مجرد وجعٍ إلى أثر، والرماد من نهايةٍ إلى بداية.
تري هل يأتي يومٌ ينظر فيه الناس إلى هذه السنوات، فلا يرون فيها فقط حرباً أحرقت وطناً؟، إنما يرون لحظةً أُعيد فيها ترتيب شيءٍ أعمق: موقع السودان من نفسه، وموقع الشرق من العالم، وموقع الإنسان من التاريخ.
وعندها فقط، قد نفهم أن بعض هذا المخاض هو لإخراج أمةٍ من رحم محنتها، وأن بعض التحولات الكبرى لا تبدأ من قصور الإمبراطوريات، لكن من بلدٍ يبدو منكسراً في عين العالم، يبدو للناس كأنه آخر الخريطة، بينما قد يكون هو، في عين التاريخ، أول سطر في سفر جديد سيكتب لا محالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.