يشهد السودان اليوم أزمة متعددة الأبعاد، تتجاوز آثار الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي, ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة التفاوت الصارخ في سلم الأجور داخل مؤسسات الدولة، والصمت المطبق إزاء مظاهر الفساد في المجالات الاقتصادية وتنامي ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، في ظل غياب أي تحرك مسؤول نحو المحاسبة، أو حتى الاستقالة من مواقع المسؤولية عند العجز عن إحداث تغيير حقيقي
ميزانية البرزخ العجيب- تريليونات لمن لا يحتاج وملاليم لمن يحفر في صخر الجوع
في هذا السياق، تبرز تقارير متداولة عن رواتب ومخصصات بعض كبار المسؤولين، من بينها ما نُسب إلى محافظ بنك السودان المركزي من مبالغ قيل إنها تصل إلى مستويات تريليونية (2.2 تريليون)، يُضاف إليها 50 مليوناً أخرى كـ “بدل إيجار” فقط، وكأنها تستأجر قصراً محصناً في المريخ وليس شقة على طين الخرطوم أو في أطراف النزوح. وسواء صحت هذه الأرقام بدقة أم لم تصح، فإن مجرد تداولها على نطاق واسع يعكس عمق الشعور الشعبي باختلال العدالة في توزيع الموارد العامة
المثير للسخرية حقاً ليس الرقم بحد ذاته، بل التبرير الذي يزعم أن هذه السيدة “ليس لديها تكية تصرف عليها”، فبدلاً من أن تُحل أزمة الخبز والكهرباء، وجدنا الدولة منشغلة بتأمين “تكايا الملايين” لمن يحملون محايات البذخ الحكومي
وحتى السيد البرهان، صاحب الرقم القياسي في سلم الرواتب الحكومية، يبدو وكأنه يصرف من جيبه الخاص مقارنة بهذا الفيض المالي العشوائي الذي يُوزع بلا عقل ولا حساب. إنها دولة العشوائية المطلقة، حيث يُصنع الثراء الصاروخي على الورق بينما تعيش أغلبية الشعب في قاع المعدمين
فبينما تُخصص مبالغ طائلة للرواتب والبدلات والمخصصات في أعلى السلم الوظيفي، يواجه عمال النظافة – المرابطون في الشوارع لكنهم يقتاتون على الفتات – والمعلمون وأساتذة الجامعات الذين تحولوا إلى متسولين يطاردون الطباشير المكسور ويحسبون قيمة رغيف الخبز بالمليمات، والموظفون الإداريون – عصب الدولة المنسي – ظروفاً معيشية قاسية، لا تتناسب مع حجم المسؤوليات التي يتحملونها، ولا مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة
وهذا التفاوت ليس مجرد خلل إداري أو مالي؛ بل هو مؤشر على غياب معايير شفافة وموضوعية تحكم تحديد الأجور والمخصصات، وتربطها بدرجة المسؤولية وطبيعة العمل والكفاءة والإنتاجية، بعيداً عن الامتيازات غير المبررة
وما يزيد المشكلة تعقيداً هو الصمت الرسمي. فنادراً ما تصدر توضيحات تفصيلية تشرح الأسس التي تُحدد وفقها رواتب ومخصصات كبار المسؤولين، أو تعلن عن مراجعة شاملة لسلم الأجور في القطاع العام. كما يغيب التحرك الملموس نحو مساءلة من يديرون المال العام، خصوصاً في ظروف استثنائية يعيش فيها البلد حرباً وانهياراً اقتصادياً واسعاً
ويتزامن ذلك مع تنامي “اقتصاد الحرب”، القائم على استغلال الندرة والاحتكار والمضاربة والتهريب، بما يحول معاناة المواطنين إلى مصدر ثراء لفئات محدودة. وفي المقابل، تتراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان، وتتفاقم أزمات الغذاء والكهرباء , والدواء والتعليم والخدمات الأساسية. إن التصريحات الرسمية التي تقلل من حجم المعاناة المعيشية لا تساعد على بناء الثقة بين المواطن والدولة، بل قد تعمق الإحساس بالانفصال بين صناع القرار والواقع اليومي الذي يعيشه الناس
إن استمرار هذا الوضع يهدد ما تبقى من ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. فالدولة التي لا تستطيع ضمان حد أدنى من العدالة في توزيع الموارد، ولا تحرص على الشفافية في الإنفاق العام، ولا تواجه مظاهر الفساد بجدية، تفقد تدريجياً قدرتها على حشد التأييد الشعبي الضروري لإعادة البناء
المطلوب اليوم ليس مزيداً من التصريحات العامة، وإنما خطوات عملية وواضحة، تبدأ بـ-
مراجعة شفافة وشاملة لسلم الأجور والمخصصات في القطاع العام، وربطها بمعايير موضوعية وقابلة للقياس
تعزيز آليات الرقابة والمساءلة على المال العام، ونشر تقارير دورية ومفصلة عن أوجه الإنفاق الحكومي
مواجهة اقتصاد الحرب من خلال سياسات اقتصادية حازمة تحد من الاحتكار والمضاربة والتهريب، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً
ترسيخ ثقافة المسؤولية السياسية، بما في ذلك الاستقالة من المنصب عندما يعجز المسؤول عن أداء واجباته أو عن إحداث تغيير إيجابي
السودان يمتلك موارد بشرية ومادية يمكن أن تشكل أساساً حقيقياً للنهوض، لكنه يفتقر في هذه المرحلة إلى الإرادة السياسية الكافية لترسيخ مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة
إن معالجة اختلال سلم الأجور، ووضع حد للصمت عن التجاوزات المالية والفساد، ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة لاستعادة الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة، ولإعادة بناء مؤسسات أكثر عدلاً وكفاءة، واقتصاد أكثر استدامة
الصمت والمراوغة لن يغيرا الواقع. فالتغيير يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم بالتحرك الجاد لمعالجتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.