ملطشة التعليم.. حين يُجلد المعلم بالسوط وتُجلد كرامته بالقرار الإداري!

 حسن عبد الرضي

ة

ليست كل المآسي في التعليم تُقاس بانهيار المدارس أو نقص الكتب والطباشير أو تأخر المرتبات.

هناك مأساة أخرى أكثر قسوة: أن يصبح المعلم نفسه بلا ظهر يحميه، وبلا مؤسسة تنصفه، وبلا قانون يُحترم حين يُعتدى على كرامته.

وهنا تبدأ حكاية «ملطشة» التعليم.. حكاية تضحك من شدة البؤس، وتبكي من شدة المهانة!

المعلم يعيش اليوم أوضاعاً بالغة التعقيد، وليس ذلك لأنه ضعيف أو قليل الحيلة أو عاجز عن أداء رسالته.

وإنما لأن المؤسسة التي يفترض أن تحميه وتوفر له البيئة التربوية السليمة قد تركته وحيداً في مواجهة كل شيء: التلميذ، والأسرة، والضغوط الاجتماعية، والفوضى الإدارية.

ولم تعد حادثة اللواء الذي ضرب معلماً في مدرسة التدريب بعيدة عن الذاكرة، حتى جاءت واقعة أخرى من شرق الجزيرة لتؤكد أن المسألة ليست حادثة عابرة، وإنما خلل عميق في نظرة بعض المسؤولين إلى المعلم وكرامته.

في وحدة ود راواة الإدارية، بقرية تسمى أولاد محمود، توجد مدرسة متوسطة.

وفي الجمعة قبل الماضية وقعت واقعة يندى لها الجبين.

إذ تعرضت مديرة المدرسة لعنف مهين من تلميذ في الصف الثالث، وصل إلى أن قام التلميذ بجلد المديرة بالسوط أمام زميلاتها وأمام التلاميذ!

يا للهول!

مديرة مدرسة تُجلد بالسوط داخل مدرستها وأمام طلابها!

أي مشهد أكثر مأساوية من هذا؟

وأي انهيار للهيبة التربوية يمكن أن يكون أكبر من أن يرى التلميذ معلمته تُهان أمامه، ثم ينتظر بعد ذلك أن يتعلم معنى الاحترام والانضباط والقانون؟

لكن القصة لم تنته هنا.

أخطرت المديرة إدارة التعليم في مكتب التعليم بالوحدة.

فتحرك مدير الوحدة التعليمية، وأرسل مساعده إلى المدرسة لتقصي الحقائق ومعالجة المشكلة.

فذهب المساعد، واستمع إلى الأطراف، ووقف على تفاصيل الواقعة، واستدعى التلميذ، وراجع سوابقه ومناكفاته مع زملائه ومعلميه.

وبعد دراسة الأمر، اتخذ قراراً بفصل التلميذ، باعتبار أن ما حدث ليس واقعة منفصلة عن سلوك سابق.

عاد المساعد إلى مدير تعليم الوحدة، وأطلعه على التفاصيل والقرار الذي اتخذه.

ووافق مدير التعليم على القرار.

وهنا ظن الجميع أن المؤسسة التعليمية قد قالت كلمتها، وأن القانون قد انتصر، وأن كرامة المعلم ستجد من يحميها.

لكن يبدو أن ذلك كان مجرد «بروفة» لنهاية أخرى!

بعد يومين حضر أهل التلميذ إلى مكتب تعليم الوحدة.

دار نقاش طويل، ثم ذهب مدير تعليم الوحدة بنفسه إلى المدرسة، وهناك صدر القرار العجيب: إعادة التلميذ إلى المدرسة لمواصلة الدراسة، مع كتابة إقرار!

إقرار ماذا؟

إقرار بأنه لن يجلد المديرة مرة أخرى؟!

أم إقرار بأن السوط أصبح جزءاً من أدوات العملية التعليمية، شريطة أن يستخدمه التلميذ «بحسن نية»؟

أي عبث هذا؟

لقد أُلغي قرار الفصل، وعاد التلميذ إلى المدرسة، بينما بقيت المديرة تحمل في داخلها أثقل من آثار السوط: إحساس الهزيمة أمام تلميذ اعتدى عليها، ثم انتصر عليها إدارياً بعد ذلك!

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

فالمسألة لم تعد مجرد تلميذ أخطأ ثم عاد إلى الدراسة.

المسألة أن المؤسسة التعليمية أرسلت رسالة بالغة الخطورة إلى الجميع: يمكن أن تعتدي على المعلم، ويمكن أن تُهينه أمام زملائه وطلابه، ثم لا تقلق كثيراً.. فربما يأتي من يلغي العقوبة ويعيدك إلى المدرسة!

وحين تم إخطار مدير تعليم المرحلة المتوسطة بالمحلية في رفاعة، كان المتوقع أن تتوقف المهزلة، وأن يُراجع القرار وفق اللوائح والقوانين، وأن تُصان هيبة المدرسة والمعلم.

لكن الذي حدث، حسب الرواية المتداولة، أن مدير المرحلة المتوسطة أيّد قرار مدير تعليم الوحدة.

وهكذا أُسدل الستار على واحدة من أكثر المسرحيات التعليمية إيلاماً وسخرية.

تلميذ يجلد مديرة مدرسة بالسوط.

الإدارة تحقق.

والإدارة تقرر الفصل.

والإدارة توافق على الفصل.

وأهل التلميذ يحتجون.

والإدارة تتراجع.

والتلميذ يعود إلى المدرسة.

والمديرة؟

تبقى هي وحدها تحمل كرامتها المجروحة!

يا لها من معادلة تربوية عظيمة!

لقد تحولت المدرسة من مكان يتعلم فيه التلميذ احترام المعلم إلى مكان يتعلم فيه المعلم كيف يتحمل الإهانة!

ولماذا نلوم التلميذ وحده بعد ذلك؟

فالطفل يتعلم من الرسائل التي ترسلها المؤسسة أكثر مما يتعلم من الكتب.

فإذا رأى أن الاعتداء على المعلم يمكن أن ينتهي بإقرار، فسوف يفهم أن المشكلة لم تكن في السوط، وإنما في أن السوط لم يكن مصحوباً بإجراءات إدارية صحيحة!

أي تعليم هذا الذي يريد أن يبني أجيالاً وهو يهدم سلطة المعلم أمام أعينها؟

إن حماية المعلم ليست امتيازاً شخصياً للمعلم، وإنما هي حماية للعملية التعليمية كلها.

فإذا سقطت هيبة المعلم بالقوة والفوضى، سقط معها الانضباط داخل المدرسة.

ونحن لا ندعو إلى ظلم التلميذ أو حرمانه من التعليم.

بل العكس تماماً.

التلميذ له حقوق، والمعلم له حقوق، والمؤسسة لها لوائح.

وإذا أخطأ التلميذ فهناك إجراءات تربوية وتأديبية وقانونية، وإذا أخطأ المعلم فهناك أيضاً لوائح تحاسبه.

أما أن يصبح الأمر خاضعاً للشد والجذب والوساطات وضغوط الأسر، فتلك ليست إدارة تعليم، وإنما «ملطشة» إدارية!

والأخطر من كل ذلك أن هذه القرارات المرتجلة لا تظلم المعلم وحده؛ إنها تظلم التلميذ نفسه، لأنها لا تعلّمه أن للخطأ عواقب، ولا تعلّمه احترام الآخرين، ولا تجعله يدرك أن المدرسة مجتمع تحكمه قواعد.

لقد آن الأوان أن يفهم المسؤولون عن التعليم أن كرامة المعلم ليست بنداً هامشياً في اللوائح، وليست مسألة شخصية بين معلم وتلميذ.

المعلم الذي يُهان أمام طلابه، ثم يرى المعتدي يعود إلى مقعده الدراسي بقرار إداري، لن يكون قادراً على الوقوف أمام طلابه غداً بنفس الهيبة والثقة.

والتلميذ الذي يرى ذلك لن يتعلم احترام المعلم.

أما بقية التلاميذ فسيتعلمون درساً أخطر: أن القانون يمكن أن يتراجع أمام الضغط، وأن الهيبة يمكن أن تُشترى، وأن السوط قد يكون أقوى من اللائحة!

وهذه هي المأساة التي ينبغي أن تبكي عليها وزارة التربية قبل أن تبكي على حال المدارس.

نريد تعليماً يحكمه القانون، لا المزاج.

نريد إدارة تحمي المعلم وتحاسب المعلم إذا أخطأ.

نريد معالجة تربوية تحفظ حق التلميذ وتصون كرامة المعلم.

نريد مؤسسة لا تهتز أمام احتجاج أسرة، ولا تتراجع عن قرارها لمجرد أن أصحاب النفوذ أو الضغط الاجتماعي دخلوا على الخط.

أما أن يُجلد المعلم بالسوط، ثم تأتي الإدارة فتجلده بالقرار، فهذه ليست تربية.

هذه ملطشة!

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل مسؤول نفسه: إذا كان المعلم لا يجد حماية داخل مدرسته، فمن سيحمي المدرسة نفسها؟

وإذا كانت كرامة مديرة المدرسة يمكن أن تُهزم بهذه السهولة، فأي رسالة نطلب من بقية المعلمين أن يحملوها؟

لقد آن الأوان أن تتوقف هذه المهزلة.

فالمعلم ليس «حيطة قصيرة» لكل من أراد أن يقيس عليها غضبه.

المعلم إنسان، وله كرامة.

والمدرسة مؤسسة، ولها قانون.

والتلميذ ابننا، نعم، ولكن تربيته لا تكون بإهانة من جاء ليعلمه.

أما أن نطلب من المعلم أن يربي أبناءنا، ثم نعجز عن تربية المؤسسة التي تحميه، فهذه هي المأساة بعينها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.