قريضة: حين قررت لجنة الأمن أن تفاوض السماء من «هي لله» إلى «الغرامة لله».. آخر اختراعات دولة الفهلوة
حسن عبد الرضي
يا سبحان الله! يبدو أن كيزان السجم لم يكتفوا بإدارة السودان طوال عقود، حتى قرروا أخيرًا أن يديروا السماء نفسها! فقد جاءنا من قريضة خبر لو كتبناه في زمن الإنقاذ لقلنا إن صاحبه يهذي، ولو جاءنا في زمن الحرب لقلنا إن الرجل فقد عقله من شدة القصف. لكنها ليست نكتة. إنها لجنة أمن قريضة. فاللجنة، بكل هيبتها الأمنية، قررت أن تحل مشكلة الجفاف بصلاة الاستسقاء. ليس هذا هو العجيب. العجيب أنها قررت أن تكون الصلاة إجبارية، ومن يتخلف يدفع! هنا، يا أهل السودان، نحن أمام اكتشاف فقهي جديد: التقوى بالغرامة!
لم يعد المطلوب أن تؤمن. المطلوب أن تدفع إذا لم تؤمن بما يكفي! ولم يعد المطلوب أن تصلي. المطلوب أن تصلي وإلا جاءتك المخالفة! يا لطيف! حتى الدين، في فقه لجنة أمن قريضة، أصبح يحتاج إلى شرطة! قالوا للناس: صلاة الاستسقاء يوميًا، الساعة السابعة والنصف صباحًا، حتى ينزل المطر.
يا سلام! يعني لو لم تمطر السماء غدًا، نعيد الصلاة. وإذا لم تمطر بعد غد، نعيدها. وإذا استمر الجفاف أسبوعًا؟ نزيد الجرعة. وإذا استمر شهرًا؟ ربما نرفع الغرامة. وإذا لم تمطر السماء بعد ذلك كله؟ هنا أقترح أن تتخذ اللجنة القرار التاريخي: استدعاء السحاب! يُستدعى مدير السحب إلى مكتب المدير التنفيذي بالإنابة، ويُقال له: «يا أخانا، لماذا لم تمطر؟» فيقول: «والله الظروف الجوية…» فترد اللجنة: «لا توجد ظروف جوية. توجد قرارات أمنية!» ثم يُكتب في المحضر: «السحاب متهم بالتلكؤ في تنفيذ قرار لجنة الأمن».
يا ناس، هل يفهم هؤلاء أصلًا معنى العبادة؟ الصلاة علاقة بين العبد وربه. الدعاء رجاء. والاستسقاء تضرع. أما أن تأتي لجنة أمن وتقول للمواطن: صلِّ، وإلا ادفع! فهذه ليست دعوة إلى الدين. هذه شرطة دينية ترتدي بدلة إدارية. وهي بالضبط عقلية «الإنقاذ» التي لم تستطع أن تفارق السودان حتى بعد أن غادرت السلطة رسميًا. العقلية التي ترى الإنسان مشروعًا للتأديب. والمجتمع مشروعًا للضبط. والدين مشروعًا للتعبئة. والدولة مشروعًا للسيطرة.
كل شيء عندها يبدأ بأمر وينتهي بغرامة. ولأن الإبداع لا يأتي منفردًا، جاءت بقية القرارات. الرحلات ممنوعة. الحفلات المختلطة ممنوعة. فتح المتاجر أثناء الصلاة ممنوع. «أم دور ور» وسيلة المواصلات ممنوعة من الحركة قبل الصلاة. والنشاط الزراعي ممنوع قبل الصلاة. والغرامات جاهزة: خمسمائة ألف. مليون. مائتا ألف. وكأننا أمام سوق جديد لتسعيرة التقوى. ولم يبق إلا أن يصدروا جدولًا رسميًا: المخالفة، العقوبة: عدم صلاة الاستسقاء، ٥٠٠ ألف جنيه. فتح دكان أثناء الصلاة، ٢٠٠ ألف جنيه. حفلة مختلطة، مليون جنيه. تحرك «أم دور ور»، مليون جنيه. زراعة قبل الصلاة، مليون جنيه. وبعد ذلك ننتظر القرار الأهم: «غرامة لمن لم يدعُ الله بإخلاص»! وهذه ستكون مشكلة. كيف سيعرف المفتش أن دعاء المواطن كان مخلصًا؟ ربما يركب معه إلى المسجد!
ثم جاء الكلام عن «محاربة الربا» عبر تفتيش أدوات الكيل والوزن. وهنا، والله، دخلنا عالمًا جديدًا من الاقتصاد السياسي. إذا كان الميزان ناقصًا، فالمطر لا ينزل. إذا غش التاجر، فالسحاب يحبس الماء. إذا نقص كيلو السكر مائة جرام، فالغيمة تنتقم من قريضة كلها!
يا أخي، اتركوا السماء في حالها! حاربوا الغش لأنه غش. وحاربوا الربا لأنه ربا. واضبطوا السوق لأن المواطن يُنهب. لكن لا تخلطوا كل ذلك في خلاط واحد اسمه «الظواهر السالبة» ثم تقدمونه للناس باعتباره سياسة دولة.
والسؤال الذي لا يريدون سماعه: أين القانون؟ من أعطى لجنة الأمن سلطة فرض العبادات؟ ومن أعطاها سلطة تحديد متى يفتح المواطن متجره؟ ومن أعطاها حق منع الزراعة؟ ومن أين جاءت سلطة الغرامات؟ هل أصبحت لجان الأمن برلمانات؟ وقضاءً؟ وشرطةً؟ وهيئة علماء؟ ووزارة أوقاف؟ وهيئة أرصاد؟ ومفوضية للأمطار؟
يا جماعة، ارحموا هذا البلد! لقد تعب السودان من اللجان. لجان أمن. لجان طوارئ. لجان محاربة الظواهر السالبة. لجان إنقاذ. لجان تعبئة. لجان دعم. لجان مقاومة. حتى أصبح المواطن لا يعرف إن كان يعيش في دولة أم داخل اجتماع لجنة مفتوح منذ ثلاثين عامًا!
المشكلة أن هذه ليست حادثة قريضة وحدها. قريضة مجرد مرآة. مرآة تكشف لنا العقل السياسي الذي حكم السودان باسم الدين، ثم ترك خلفه دولة ممزقة ومجتمعًا منهكًا وحربًا تأكل الأخضر واليابس. واليوم، بدل أن يسألوا: لماذا انهارت الدولة؟ لماذا اندلعت الحرب؟ لماذا نزح الملايين؟ لماذا جاع الناس؟ لماذا انهار التعليم؟ لماذا انهار الاقتصاد؟ لماذا صار المواطن يخاف من الغد؟ يجلسون في قريضة ليفكروا في: هل تحركت «أم دور ور» قبل صلاة الاستسقاء؟
يا للعبقرية! إنها طريقة قديمة جدًا: عندما تعجز عن حل المشكلة، ابحث عن مذنب. وعندما تعجز عن إدارة الاقتصاد، اتّهم الناس بالربا. وعندما تعجز عن توفير الماء، اتهم الناس بالذنوب. وعندما تعجز عن إنهاء الحرب، أكثر من المواعظ. وعندما يعجز النظام عن إقناع المواطن، أرسل إليه الشرطة. ثم قل له: «هذا كله من أجل الدين!» وهنا تقع الكارثة. لأن الدين نفسه يصبح ضحية. فحين تستخدم السلطة الدين لتخويف الناس، فإنها لا تجعل الناس أكثر تدينًا؛ بل تجعلهم يرون الدين وقد تحول إلى مخبر يحمل دفتر مخالفات.
أما السماء، فدعونا نطمئن اللجنة: السماء لا تحتاج إلى قرار أمني. ولا إلى غرامة. ولا إلى شرطي. ولا إلى مدير تنفيذي بالإنابة. ولا إلى اجتماع موسع لفعاليات المجتمع. والسحاب، لحسن الحظ، لا يقرأ بيانات اللجان. والمطر، فيما نعلم، لم يحصل بعد على نسخة من قانون الظواهر السالبة. فإن أراد الله أن ينزل المطر، سينزل. وإن تأخر المطر، فلن تحل المشكلة بأن تجعلوا المواطن يدفع مليون جنيه لأنه لم يذهب إلى الساحة!
يا أهل الإنقاذ السابقين والحاضرين والمتخفين والمتلونين: لقد جربناكم في الأرض. فلا تجربوا أنفسكم في السماء! أديروا ما تستطيعون إدارته. واتركوا العباد لخالقهم. واتركوا السماء للسحاب. واتركوا المواطن يعيش. فقد حوّلتم السودان إلى وطن يخاف فيه الإنسان من الجندي، ومن الموظف، ومن صاحب النفوذ، ومن السوق، ومن الحرب، ومن الغلاء، ومن الجوع. والآن تريدونه أن يخاف من لجنة أمن قريضة إذا لم يصلِّ بما يكفي!
لا يا سادة. هذه ليست تقوى. هذه سلطة تبحث عن ثوب ديني جديد بعد أن تمزقت أثوابها السياسية كلها. والسودان لن يخرج من محنته باستبدال البندقية بالعصا الدينية. لن يخرج بالغرامات. لن يخرج بمطاردة الحفلات. لن يخرج بمنع «أم دور ور». ولن ينزل المطر لأن موظفًا ختم ورقة. السودان يحتاج إلى شيء أبسط بكثير: عقل يحترم الإنسان. ودولة تحترم القانون. ودين يُترك لله ولضمير الإنسان. وسلطة تعرف حدودها.
أما لجنة أمن قريضة، فقد قدمت لنا مشهدًا يصلح أن يكون عنوانًا لمرحلة كاملة: السلطة التي عجزت عن إصلاح الأرض، قررت أن تفاوض السماء! فيا لجنة أمن قريضة: صلّوا أنتم إن شئتم. وادعوا أنتم إن شئتم. وابكوا من الجفاف إن شئتم. لكن لا تضعوا الدين تحت لائحة الجزاءات. فقد يكون المطر متأخرًا… لكن العقل، عندكم، يبدو أنه غائب منذ زمن طويل!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.