كلما ابتلع البحر مجموعة جديدة من الشباب السودانيين، لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف ماتوا؟ بل يجب أن نسأل قبل ذلك: لماذا غادروا أصلاً؟
لقد أصبح البحر الأبيض المتوسط مقبرة مفتوحة لأحلام السودانيين. عشرات الشبان يفرون من الحرب والجوع وانعدام الأمل، فيجدون أنفسهم بين خيارين كلاهما قاتل: أن يموتوا تحت القصف في وطنهم، أو أن تبتلعهم الأمواج في رحلة هجرة محفوفة بالمخاطر.
إن الذين لقوا حتفهم قبالة السواحل الليبية لم يكونوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل كانوا أبناءً وأحلاماً ومشاريع حياة. كانوا يبحثون عن فرصة للعمل، وعن أمان افتقدوه، وعن مستقبل لم يعد يجدونه في وطن مزقته الحرب.
المأساة ليست في البحر وحده، بل في الظروف التي دفعتهم إلى ركوبه.
الحرب لم تدمر المدن فحسب، بل دمرت ثقة الشباب في المستقبل. أغلقت المدارس والجامعات، وأوقفت عجلة الاقتصاد، وأفقدت آلاف الأسر مصادر رزقها. أصبح السفر بالنسبة لكثيرين ليس خياراً، بل محاولة أخيرة للهروب من واقع لا يرحم.
المؤلم أن أطراف الحرب ما زالت تتحدث عن الانتصارات، بينما الوطن يخسر أعظم ثرواته: شبابه.
أي انتصار هذا الذي يُفرغ السودان من أبنائه؟
أي نصر يمكن الاحتفال به بينما يموت الشباب في الصحارى، ويغرقون في البحر، ويتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها؟
إن الذين يصرون على استمرار القتال عليهم أن ينظروا إلى صور الجثامين التي تلفظها الأمواج، لا إلى خرائط السيطرة العسكرية. فالوطن لا يقاس بعدد المناطق التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، وإنما بعدد المواطنين الذين يستطيع أن يحفظ لهم الحياة والكرامة.
لقد أصبح وقف الحرب ضرورة إنسانية قبل أن يكون استحقاقاً سياسياً. فكل يوم يتأخر فيه السلام، يزداد عدد السودانيين الذين يفكرون في الهجرة، ويزداد عدد الذين يخاطرون بحياتهم في طرق التهريب، ويزداد عدد الأسر التي تنتظر خبراً قد لا يأتي إلا في صورة مأساة.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بأكثر من بيانات التعزية. المطلوب هو دعم حقيقي لجهود السلام، ومساندة برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، والعمل على معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى الهجرة القسرية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
أما القوى السياسية والمدنية السودانية، فهي مطالبة اليوم بأن تجعل وقف الحرب عنوان المرحلة، لأن استمرارها يعني استمرار نزيف الأرواح، داخل السودان وخارجه.
لقد تحول البحر الأبيض المتوسط إلى شاهد جديد على فشل الحرب، وعلى عجز السياسة، وعلى ثمن يدفعه الأبرياء وحدهم.
أوقفوا الحرب…
قبل أن يتحول السودان إلى وطن يودع أبناءه عند كل موجة، وقبل أن يصبح البحر أكثر ازدحاماً بأحلام شبابنا من شوارع مدنهم، وقبل أن لا يبقى في هذا الوطن إلا الخراب، والذكريات، وأسماء الغارقين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.