الاتحاد الأفريقي بين السلام وشرعنة الأمر الواقع.. من يحمي حق السودانيين في إنهاء الحرب؟

 نورا عثمان

حين ترفض قوى إعلان المبادئ بياناً صادراً عن الاتحاد الأفريقي بشأن الحوار الذي دعا إليه عبد الفتاح البرهان، فالمسألة لا ينبغي أن تُختزل في خلاف بروتوكولي أو تباين في وجهات النظر. إنها تفتح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: هل يعمل الاتحاد الأفريقي من أجل إنهاء الحرب في السودان، أم أنه يوشك ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ على توفير غطاء سياسي لسلطة عسكرية ما زالت تمسك بمفاتيح القرار؟
هذا السؤال ليس من فراغ. فالبرهان أعلن في أغسطس عن حوار سوداني–سوداني، مع تعهد بتوفير حصانات وضمانات للمشاركين، بينما يرى خصوم المبادرة أن شروطها وبيئتها لا توفر أساساً كافياً لحوار مستقل، وأن الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب وتهيئة المناخ السياسي قبل الانتقال إلى حوار حول مستقبل البلاد. أما قوى إعلان المبادئ، فقد سبق أن اعترضت على طريقة إدارة بعض المسارات التي رعاها الاتحاد الأفريقي، معتبرة أن إشراك قوى منحازة لمعسكر الحرب وتصميم العملية السياسية بطريقة لا تضمن استقلاليتها يمكن أن يقود إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع. وهنا تحديداً يجب أن يقال للاتحاد الأفريقي: السودان ليس مجرد مقعد شاغر في مؤسساتكم، والسودانيون ليسوا مادة تفاوضية بين العواصم.
لا أحد يرفض الحوار من حيث المبدأ. لكن الحوار الذي يُراد له أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب يجب أن يبدأ من سؤال واضح: كيف نوقف القتل؟ لا أن يبدأ من سؤال: من يجلس إلى طاولة السلطة؟ فالبلاد دخلت عامها الرابع من الحرب، والمواطن السوداني لا يحتاج إلى مؤتمر جديد يضيف عشرات الصفحات إلى أرشيف البيانات. يحتاج إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإعادة الخدمات، وتهيئة الطريق أمام انتقال سياسي مدني. وقد كان الاتحاد الأفريقي نفسه قد تبنى في مسارات سابقة فكرة الحوار السوداني بعد وقف إطلاق النار، مع التشديد على أهمية الالتزام باتفاق جدة وتهيئة الظروف السياسية المناسبة. فما الذي تغير؟
المشكلة ليست في أن يلتقي الاتحاد الأفريقي البرهان. المشكلة تبدأ عندما تتحول اللقاءات مع السلطة القائمة إلى اعتراف سياسي ضمني بها باعتبارها الطرف الذي يملك حق تحديد شكل العملية السياسية ومواعيدها وأجندتها. وهذا هو الفارق بين التعامل مع الأمر الواقع ومنح الأمر الواقع شرعية سياسية. الاتحاد الأفريقي يعرف جيداً أن عضوية السودان جُمّدت عقب إجراءات أكتوبر 2021 التي اعتبرها الاتحاد انقلاباً، وأن استعادة المسار الديمقراطي ظلت مرتبطة بمعايير واضحة. كما أفادت مصادر داخل الاتحاد الأفريقي حديثاً بأن وفده أبلغ البرهان بأن السلطة الحالية تستند إلى تعديل غير دستوري جرى في أكتوبر 2021، وأن استعادة عضوية السودان تتطلب خطوات ملموسة نحو المسار الديمقراطي والتوافق الوطني. إذا كان هذا هو الموقف المبدئي، فلماذا يبدو أحياناً أن اللغة السياسية تجاه سلطة بورتسودان أكثر ليونة من اللغة التي يحتاجها شعب أنهكته الحرب؟
الحوار الحقيقي لا يحتاج إلى بندقية تحرس باب القاعة. ولا يحتاج إلى سلطة تحدد مسبقاً من يدخل ومن يُستبعد. ولا يحتاج إلى أن يكون أحد أطراف الحرب هو صاحب الدعوة والمنظم والضامن والمحدد لشروط المشاركة. إذا كان الاتحاد الأفريقي يريد حواراً سودانياً حقيقياً، فعليه أن يضمن أن تكون ملكية العملية السياسية سودانية ومدنية وشاملة، وأن تشارك فيها القوى المناهضة للحرب، والنساء، والشباب، والنازحون واللاجئون، والنقابات والمجتمع المدني، والقوى السياسية، من دون أن تتحول العملية إلى منصة لإعادة توزيع السلطة بين النخب المسلحة. والأهم: ألا يصبح الحوار بديلاً عن وقف إطلاق النار.
هنا السؤال الأكثر إزعاجاً. لماذا لا نرى ضغطاً أفريقياً أقوى على جميع الأطراف لوقف القتال؟ لماذا لا تكون الرسالة الأفريقية الأولى واضحة: كفى حرباً؟ لماذا لا يتحول الاتحاد الأفريقي إلى طرف ضاغط من أجل وقف تدفق السلاح، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ثم بناء عملية سياسية مستقلة؟ الواقع أن الاتحاد الأفريقي أعلن مراراً دعمه للسلام والحوار، لكن المشكلة تكمن في ترجمة المواقف إلى ضغط سياسي متوازن وفعال. فالسوداني الذي فقد منزله لا يريد أن يعرف أي عاصمة أفريقية جلست مع البرهان وأيها جلست مع خصومه. يريد أن تتوقف الحرب. والأم التي تبحث عن الغذاء والدواء لا يعنيها كثيراً من يملك خطاباً أفضل عن السيادة. يعنيها أن يعود أطفالها أحياء.
وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحاً. الجيش مؤسسة وطنية، لكن الجيش لا يساوي الدولة، والبرهان لا يساوي السودان، والحكومة القائمة في بورتسودان لا تملك تفويضاً أبدياً للحديث باسم كل السودانيين. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار الدعم السريع ممثلاً للشعب السوداني أيضاً. الطرفان طرفان في حرب يجب أن تنتهي. هذه هي النقطة التي يجب أن تتمسك بها أي وساطة جادة. لا يمكن أن يتحول أحد طرفي الحرب إلى بوابة إلزامية لصناعة مستقبل البلاد، كما لا يمكن منح الطرف الآخر حق تعطيل العملية السياسية إلى ما لا نهاية. الدولة المدنية هي الطرف الذي يجب أن يعود إلى مركز المشهد.
من حق أي سوداني أن يتساءل عن النفوذ السياسي للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والحرب، ومن حق القوى المدنية أن تطالب بعدم إعادة إنتاج النظام السابق تحت أي غطاء. لكن المعالجة يجب أن تكون سياسية وقانونية: لا حصانة لمن ارتكب جريمة، ولا عقوبة جماعية بسبب الانتماء السياسي. وهذا تحديداً ما يجعل أي عملية انتقالية حقيقية بحاجة إلى عدالة مستقلة، لا إلى انتقام، وإلى انتخابات حرة، لا إلى تسويات مغلقة. إذا أراد الاتحاد الأفريقي أن يساعد السودان، فعليه أن يدعم بناء دولة لا يستطيع فيها الجيش أن يحكم منفرداً، ولا تستطيع فيها أي قوة مسلحة أخرى أن تفرض إرادتها، ولا تستطيع جماعة سياسية أن تختطف مؤسسات الدولة.
يا اتحاد أفريقيا، السودان ليس ملفاً دبلوماسياً. السودان شعب يموت. شعب نزح. شعب جاع. شعب فقد أبناءه وبيوته ومستشفياته ومدارسه. وكل يوم يستمر فيه القتال يعني مزيداً من المقابر ومزيداً من النزوح ومزيداً من انهيار الدولة. لذلك فإن الوقوف مع السودان لا يعني الوقوف مع البرهان، كما أن رفض الدعم السريع لا يعني تلقائياً دعم الجيش. الوقوف مع السودان يعني الوقوف مع المدنيين. يعني وقف الحرب. يعني فتح الطريق أمام المساعدات. يعني منع السلاح عن المتحاربين. يعني محاسبة مرتكبي الانتهاكات. يعني إعادة تأسيس دولة مدنية ديمقراطية. ويعني قبل كل شيء ألا يُسمح لأي طرف بتحويل انتصاره العسكري المؤقت إلى حق دائم في حكم البلاد.
ليس مطلوباً من الاتحاد الأفريقي أن يكون ضد البرهان. وليس مطلوباً منه أن يكون مع الدعم السريع. المطلوب أن يكون مع السودان. وأن يقول للطرفين معاً: لا مزيد من الحرب. وأن يقول للقوى السياسية والمدنية: تعالوا إلى عملية سياسية مستقلة.
وأن يقول للعسكريين: دوركم حماية الدولة لا حكمها. وأن يقول للقتلة: لا حصانة من العدالة. وأن يقول للسودانيين: مستقبل بلدكم لن تحدده البنادق. فإذا تحول الحوار إلى وسيلة لتجميل سلطة الحرب، فسيكون الاتحاد الأفريقي قد خسر فرصة تاريخية. أما إذا استخدم نفوذه لدفع الجميع نحو وقف إطلاق النار، وفتح المجال أمام عملية سياسية مدنية شاملة، فقد يصبح بالفعل جزءاً من الحل. السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات التي توازن بين الجنرالات. يحتاج إلى موقف أخلاقي وسياسي واضح: أوقفوا الحرب أولاً… ثم دعوا السودانيين يقررون من يحكمهم. فالسلام الذي لا يبدأ من حماية الإنسان السوداني ليس سلاماً.
والحوار الذي لا يفتح الطريق إلى دولة مدنية ليس حلاً. والاتحاد الأفريقي الذي يقف على مسافة واحدة من الضحية والقاتل، بدلاً من الضغط على من يملك السلاح، يخاطر بأن يصبح ـ من حيث لا يريد ـ جزءاً من أزمة السودان، لا جزءاً من حلها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.