حوار «البلابسة».. هل يبحثون عن السلام أم عن مخرج من شعار «بل بس»؟

مناهل أبوقصيص

في السياسة، ليست المشكلة أن تغيّر موقفك؛ المشكلة أن ترفض الاعتراف بأن الواقع أجبرك على تغييره.

 

وهذا تحديداً ما يجعل الحوار الذي يجري تحت عنوان «الحوار السوداني ـ السوداني» أمام اختبار حقيقي: هل ذهب الذين ظلوا يرفعون شعار «بل بس» إلى طاولة الحوار بحثاً عن السلام، أم بحثاً عن مخرج سياسي يحفظ لهم ماء الوجه بعد سنوات من الدعوة إلى استمرار الحرب؟ السؤال يبدو قاسياً، لكنه مشروع.

 

فمنذ اندلاع الحرب، جرى تقديم شعار «بل بس» باعتباره الطريق الوحيد للحسم، وكأن الحرب معركة قصيرة يمكن أن تنتهي بإرادة سياسية أو خطاب تعبوي. لكن السنوات مضت، وتبدلت خرائط السيطرة، واتسعت الكارثة الإنسانية، ودفع المدنيون الثمن الأكبر.

 

واليوم، يجد أصحاب ذلك الشعار أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً. الحرب لم تحسم السودان، لكنها حطمت السودان.

 

وهنا تبدأ ورطة «البلابسة».

 

عندما يصبح السلام محرِجاً

 

ليس صعباً أن تقول في زمن الحرب: «لا تفاوض».

 

الأصعب أن تشرح للناس، بعد سنوات من القتال، كيف ستنتهي الحرب إذا ظل التفاوض محرماً. فالحرب ليست بياناً سياسياً، ولا هتافاً جماهيرياً، ولا منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي. الحرب واقع عسكري وسياسي وإنساني، ولها نهايات محددة: انتصار عسكري حاسم، أو تسوية سياسية، أو استمرار مفتوح للنزيف.

 

وإذا كان الانتصار الكامل لم يتحقق، فمن حق السودانيين أن يسألوا: إلى متى؟ وإذا كان أصحاب «بل بس» يرفضون التفاوض، فليقدموا للشعب خطة واضحة لنهاية الحرب، لا مجرد وعد جديد بـ«النصر قريب».

 

الحوار قد يكون مخرجاً.. ولكن لمن؟

 

المفارقة أن الحوار نفسه قد يوفر لمن رفعوا شعار الحرب حتى النهاية مخرجاً سياسياً محترماً. فبدلاً من أن يقول أحدهم: «تراجعنا عن موقفنا»، يمكنه ببساطة أن يقول: «هذه هي مخرجات الحوار، وهذا هو القرار السوداني.» وبذلك ينتقل من خانة رفض التفاوض إلى خانة قبول التسوية، من دون أن يضطر إلى الاعتراف بأن حساباته السابقة لم تكن دقيقة.

 

وهذه ليست مشكلة في حد ذاتها. بل على العكس، التراجع عن الخطأ فضيلة سياسية عندما تكون النتيجة وقف نزيف الدم. المشكلة تبدأ إذا كان الحوار مجرد وسيلة لإعادة تدوير خطاب الحرب، أو إنتاج شرعية جديدة لمعسكر واحد، أو تحويل طاولة الحوار إلى منصة لإقصاء الآخرين.

 

لا سلام بلا مواجهة السؤال الصعب

 

أي حوار جاد لا يمكن أن يهرب من السؤال المركزي: كيف تتوقف الحرب؟ لن تكفي عبارات مثل «السلام الشامل» و«الوحدة الوطنية» و«الحوار السوداني». فكل هذه العناوين جميلة، لكنها لا توقف رصاصة واحدة.

 

السلام الحقيقي يحتاج إلى بحث مباشر في: وقف إطلاق النار. حماية المدنيين. فتح الممرات الإنسانية. ترتيبات أمنية واضحة. مستقبل القوات المتحاربة. العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. عودة النازحين واللاجئين. إعادة بناء مؤسسات الدولة. ثم الانتقال إلى عملية سياسية مدنية. وأي حوار لا يصل إلى هذه الملفات سيظل مجرد مؤتمر سياسي جديد فوق أنقاض بلد منهك.

 

«بل بس» لا يمكن أن يكون مشروع دولة

 

السؤال الذي يجب أن يواجهه أنصار شعار «بل بس» هو: ماذا بعد «بس»؟ حتى لو افترضنا أن طرفاً عسكرياً استطاع تحقيق تفوق ميداني، فهل يكفي ذلك لبناء دولة؟ هل يستطيع السلاح وحده إعادة ملايين النازحين؟ هل يستطيع الطيران إعادة تشغيل المستشفيات؟ هل يستطيع المدفع إعادة بناء المدارس؟ هل يستطيع الانتصار العسكري وحده معالجة الانقسام الاجتماعي والسياسي الذي خلّفته الحرب؟ الإجابة واضحة. السودان يحتاج إلى أكثر من انتصار عسكري؛ يحتاج إلى مشروع دولة. ولهذا فإن تحويل الحرب إلى مشروع سياسي دائم هو أخطر ما يمكن أن يحدث.

 

أخطر ما في الحوار أن يكون حواراً بلا نهاية

 

هناك فرق هائل بين حوار يريد إنهاء الحرب وحوار يريد إدارة الأزمة. الأول يبحث عن تسوية. والثاني يبحث عن الوقت. الأول يضع السلاح على طاولة التفاوض. والثاني يضع الشعارات مكان الحلول. والسودانيون لم يعد لديهم رفاهية الوقت. كل يوم إضافي للحرب يعني مزيداً من النزوح، ومزيداً من الفقر، ومزيداً من انهيار الخدمات، ومزيداً من فقدان الأرواح. لذلك فإن أي حوار لا تكون أولوية إنهاء الحرب في مقدمته لا يستحق أن يسمى مشروع سلام.

 

لا تجعلوا الحوار صفقة بين النخب

 

الاختبار الآخر هو: من يتحدث باسم السودان؟ لا يمكن أن يكون الحوار مجرد اجتماع للقوى التي تمتلك السلاح أو النفوذ أو المال. السودان ليس ملكاً للجنرالات، ولا للأحزاب، ولا للحركات المسلحة، ولا للإسلاميين، ولا لأي معسكر سياسي. السودان ملك لمواطنيه. ولهذا يجب أن يكون للمدنيين، والنساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، والضحايا، والقوى السياسية والمجتمعية المستقلة، حضور حقيقي في صناعة مستقبل البلاد. فالسلام الذي يصنعه أصحاب القوة وحدهم قد يوقف المعارك مؤقتاً، لكنه لن يعالج جذور الأزمة.

 

المطلوب ليس إذلال أحد.. بل إنقاذ السودان

 

من السهل مهاجمة «البلابسة» والسخرية من تناقضاتهم السياسية. لكن المعركة الحقيقية ليست مع الأشخاص. المعركة مع منطق الحرب الدائمة. إذا وصل الحوار إلى قناعة بأن التفاوض ضرورة، فليكن ذلك موضع ترحيب، حتى لو كان أصحاب القناعة من أكثر المدافعين سابقاً عن استمرار القتال. لا نحتاج إلى انتصار سياسي على أنصار الحرب. نحتاج إلى انتصار للسودانيين على الحرب نفسها. ومن يريد السلام عليه أن يكون مستعداً لدفع ثمنه السياسي، كما كان مستعداً لدفع ثمن الحرب.

 

والسؤال الأخير

 

ربما يكون السؤال الأكثر إحراجاً الآن ليس: لماذا يجلس «البلابسة» للحوار؟ بل: هل يستطيعون أن يخرجوا من قاعة الحوار وهم ما زالوا متمسكين بشعار «بل بس»؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالحوار مجرد إعادة إنتاج للحرب بلغة سياسية. أما إذا كانت الإجابة لا، وإذا انتهى الحوار إلى ضرورة وقف إطلاق النار والتفاوض والتسوية السياسية، فإن التاريخ سيضع الجميع أمام حقيقة بسيطة: السودان لم يكن يحتاج إلى مزيد من الشعارات.. كان يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الحرب ليست طريقاً لبناء الدولة. وإذا كان الحوار سيمنح أصحاب شعار «بل بس» فرصة للتراجع، فليتراجعوا. لا عيب في أن يتغير الموقف عندما يتغير الواقع. العيب الحقيقي أن يحترق السودان كله حتى لا يعترف أحد بأنه أخطأ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.