دارفورفوبيا (٦) عندما يصبح الخوف من دارفور جزءاً من الأزمة السودانية

زكريا ادم علي عبدالرسول

شغلتنا الحرب والسياسة عن كثير من القضايا التي تتشكل في عمق المجتمع السوداني، بينما ظلت آثارها تتراكم في الوعي والذاكرة والسلوك. ومن بين هذه الآثار ظاهرة تحتاج إلى قدر كبير من التأمل، هي الخوف المتراكم من دارفور، أو ما أسميته «دارفورفوبيا».
وقد جاء تعليق الأستاذ محمد بشر كرم الدين على المقال السابق ليضيف إلى الفكرة بعداً مهماً، لأنه لم يتعامل معها باعتبارها مجرد مصطلح أو عنوان، وإنما وصف كيف يمكن أن تتحول كثافة الحضور السلبي لدارفور في الإعلام والسياسة إلى حالة نفسية حقيقية لدى بعض السودانيين.
منذ عام 2003، ظل اسم دارفور حاضراً في الأخبار من بوابة الحرب والنزوح والقتل والمليشيات والحركات المسلحة والمآسي الإنسانية. ومع مرور السنوات، تراكمت هذه الصور حتى أصبحت لدى قطاعات من المجتمع السوداني صورة ذهنية تختزل دارفور في الحرب، وتختزل إنسان دارفور في الصراع.
وهنا تكمن المشكلة.
فالخوف لا ينشأ دائماً من معرفة حقيقية بالآخر؛ أحياناً تصنعه الصورة المتكررة عنه. وعندما تتكرر الصورة ذاتها صباحاً ومساءً، عاماً بعد عام، تتحول من مشهد إعلامي إلى انطباع، ومن الانطباع إلى موقف، ومن الموقف إلى حكم اجتماعي وسياسي.
وهكذا أصبح البعض يرى دارفور من خلال الحرب، بدلاً من أن يرى الحرب باعتبارها واحدة من أزمات دارفور.
هذه الصورة لا تنصف دارفور، كما أنها لا تنصف السودان.
دارفور ليست مجرد مسرح للحرب، وليست قبيلة واحدة، ولا يمكن اختزالها في ثنائية «عرب وفور» أو «عرب وزرقة». إنها مجتمع تاريخي واسع ومتعدد، يضم عشرات المكونات الاجتماعية والثقافية والقبلية، لكل منها تاريخها ومساهمتها ومكانتها.
إن اختزال هذا التنوع في ثنائية ضيقة لا يصف الواقع، بل يساهم في إنتاج واقع مشوه.
ومن هنا فإن «دارفورفوبيا» ليست اتهاماً موجهاً إلى بقية السودانيين، وليست حكماً بأن كل من يعيش خارج دارفور يحمل موقفاً سلبياً منها. إنها محاولة لفهم حالة تتكون عندما تتراكم الحرب، والخطاب السياسي، والصور الإعلامية، والتجارب المؤلمة، حتى يصبح اسم الإقليم محملاً بشحنة نفسية تتجاوز واقعه الحقيقي.
وفي المقابل، أنتجت سنوات الحرب داخل دارفور نفسها مشاعر عميقة من الغضب وعدم الثقة تجاه المركز وأجزاء واسعة من المشهد السوداني. وهكذا أصبحنا أمام دائرة مغلقة؛ صورة سلبية عن الآخر تنتج صورة مقابلة، والخوف يولد خوفاً، وعدم الثقة يوسع مساحة عدم الثقة.
كسر هذه الدائرة يحتاج إلى شجاعة فكرية تتجاوز الدفاع والمواجهة وتذهب إلى أصل المشكلة.
فالحديث عن دارفور لا ينبغي أن يكون حديثاً موسمياً يرتبط بالمعارك والأزمات، وإنما حديثاً عن مجتمع سوداني أصيل، له تاريخ وثقافة وتنوع وإسهامات، وله كذلك قضايا ومشكلات تحتاج إلى حلول سياسية واجتماعية عادلة.
ولعل العبارة التي وردت في تعليق محمد بشر كرم الدين: «دارفور عقدة السودان، بحلها تنحل كل العقد» تختصر جانباً مهماً من المسألة.
دارفور ليست قضية هامشية يمكن فصلها عن الأزمة السودانية. فهي تتقاطع مع أسئلة الهوية والعدالة والتنمية والعلاقة بين المركز والأقاليم وطبيعة البناء السياسي والاجتماعي للسودان.
ولهذا فإن معالجة قضية دارفور لا يمكن أن تكون أمنية وحدها، ولا سياسية وحدها، ولا قبلية وحدها. إنها قبل كل شيء عملية لإعادة بناء الثقة.
وفي هذه العملية، يقع على المثقفين والكتاب والإعلاميين والمجتمع المدني والنخب الاجتماعية والسياسية مسؤولية كبيرة. المطلوب أن ننتقل من إعادة إنتاج الصور النمطية إلى تفكيكها، ومن استدعاء الذاكرة الجريحة لتغذية الصراع إلى استخدامها لفهم جذور الأزمة وتجاوزها.
كما أن مسؤولية دارفور نفسها كبيرة في إعادة تقديم صورتها الحقيقية للسودانيين، بعيداً عن الصورة التي فرضتها سنوات الحرب. فدارفور ليست فقط ما تظهره نشرات الأخبار، وليست فقط ساحات القتال، وإنما إنسان ومجتمع وتاريخ وثقافة وتنوع وذاكرة.
إن تجاوز «دارفورفوبيا» لا يعني إنكار الجرائم أو تجاوز المظالم أو تزييف الواقع. على العكس، المصالحة مع الحقيقة هي الطريق الوحيد للخروج من الصور المشوهة.
نحتاج إلى خطاب يرى الإنسان قبل الانتماء، والمجتمع قبل الصراع، والسودان قبل الاصطفافات الضيقة.
نحتاج إلى أن نتحدث عن دارفور باعتبارها جزءاً من السودان، وأن نتحدث عن السودان باعتباره مسؤولاً عن دارفور، لا باعتبارها مشكلة منفصلة عنه.
لقد دفعت دارفور ثمناً باهظاً للحرب، ودفع السودان كله ثمناً باهظاً للصورة التي صنعتها الحرب عن مكوناته. ولذلك فإن مواجهة «دارفورفوبيا» ليست دفاعاً عن إقليم في مواجهة بقية البلاد، وإنما محاولة لإنقاذ الوعي السوداني من آثار حرب طويلة تركت جراحاً في الأرض والإنسان والذاكرة.
فالسلام الحقيقي لا يبدأ فقط عندما تصمت البنادق، وإنما عندما تتغير الصور التي يحملها السودانيون عن بعضهم البعض.
وإذا كانت دارفور قد أصبحت في الذاكرة السودانية عنواناً للحرب، فإن مسؤوليتنا أن نعيد إليها صورتها الإنسانية الكاملة: أرضاً للتنوع، ومجتمعاً حياً، وتاريخاً عميقاً، وجزءاً أصيلاً من السودان.
«دارفورفوبيا» ليست حكماً على أحد، وإنما محاولة لفهم حالة سودانية تحتاج إلى مواجهة صريحة، لأن ما لا نعترف به في وعينا قد يستمر في صناعة مستقبلنا من حيث لا ندري.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.