حين تتحول العبادة إلى عادة… والدين إلى مظهر

 حسن عبد الرضي

 

ليست أزمة المسلمين في أنهم لا يصلّون، ولا يصومون، ولا يكثرون من الذكر والدعاء، ولا في قلة المساجد أو كثرة المواعظ والخطب. الأزمة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها في المعنى الذي استقر في الوعي العام للدين والعبادة، وفي الفجوة الهائلة بين ما يُقال في المساجد والمنابر، وما يُمارس في الأسواق والبيوت ومواقع العمل والسياسة والحكم.

لقد أصبح من الممكن أن يكون الإنسان شديد المحافظة على الشعائر، كثير الحديث عن الدين، عظيم الاهتمام بالمظاهر الدينية، ثم لا يكون للصدق والعدل والأمانة والرحمة وكرامة الإنسان نصيب مماثل في سلوكه. وكأن الدين قد انفصل في الوعي عن غايته، فأصبحت الوسيلة غاية، وأصبح المظهر دليلاً على التقوى، بينما غاب جوهر التقوى عن السلوك.

وهنا تكمن المأساة.

فالعبادة التي لا تُحدث أثراً في الإنسان، ولا تنقله من الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى العدل، ومن الأنانية إلى الإيثار، ومن الاستعلاء إلى التواضع، تحتاج إلى أن نسأل عن معناها في حياة صاحبها.

الدين ليس طقوساً معلقة في الهواء

الشعائر في الدين ليست غاية منفصلة عن الحياة، وإنما هي وسائل لتكوين الإنسان الذي يستقيم بها في حياته. فالصلاة ليست مجرد حركات يؤديها الجسد في أوقات محددة، ثم ينتهي أثرها عند باب المسجد. والصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب ساعات معلومة، ثم يعود الإنسان بعدها إلى ممارسة الظلم والغش والعدوان. والزكاة ليست رقماً يخرج من المال، بينما يبقى القلب أسيراً للجشع والاحتكار. والحج ليس رحلة جسدية إلى مكان مقدس، ثم عودة إلى السلوك القديم نفسه.

إذا لم تنتقل العبادة من المحراب إلى الحياة، ومن اللسان إلى السلوك، ومن الشعيرة إلى المعاملة، فإنها تفقد جوهرها وتتحول شيئاً فشيئاً إلى عادة اجتماعية يمارسها الإنسان لأنه وجد الناس يمارسونها.

والأخطر أن يصبح الالتزام بالشعائر مقياساً وحيداً للحكم على الناس، بينما تُهمل الأخلاق التي هي ثمرة الدين وميزان صدقه.

مصيبة التقديس الشكلي

لقد بلغ الاهتمام بالشعائر في كثير من البيئات درجة تفوق الاهتمام بالمقاصد التي جاءت الشعائر لتربي الإنسان عليها. نجد من يغضب لأجل مظهر ديني، ولا يغضب للظلم. ويثور من أجل كلمة في شأن شعيرة، ولا يتحرك أمام أكل أموال الناس بالباطل. ويكثر من الحديث عن الحلال والحرام، ثم لا يجد حرجاً في الكذب أو الغش أو المحسوبية أو احتكار الفرص. ويطالب الآخرين بتطبيق الدين، بينما لا يبدأ بنفسه.

وهكذا يتحول الدين من قوة لتحرير الضمير إلى أداة للرقابة على الآخرين؛ فيصبح السؤال: كيف يبدو الإنسان؟ ماذا يلبس؟ ماذا يقول؟ كيف يصلي؟ ماذا يعلن؟ بينما السؤال الأهم يغيب: كيف يعامل الناس؟ وكيف يكسب ماله؟ وكيف يستخدم سلطته؟ وهل يأمن الناس جانبه؟ وهل يستوي عنده الحق حين يكون الحق في مصلحته وحين يكون ضده؟

إن أخطر صور التدين أن يزداد المظهر الديني كلما انكمش الضمير الأخلاقي.

حين يصبح الدين سلعة

وهنا يظهر وجه آخر للأزمة: استغلال الدين لتحقيق المصالح الشخصية. فالدين حين يدخل سوق المصالح قد يتحول من رسالة تهدي الإنسان إلى وسيلة لامتطاء ظهر الإنسان.

يُستخدم الخطاب الديني لتبرير السلطة، وتُستدعى النصوص لتجميل المواقف، وتُرفع الشعارات الدينية لتغطية المطامع، وتُستخدم القداسة لإسكات السؤال، ويُطلب من العامة أن يصدقوا لأن المتحدث يتكلم باسم الدين. وهذا من أخطر ما يمكن أن يصيب الدين؛ لأن الإنسان حين يعترض على صاحب المصلحة يبدو كأنه يعترض على الدين نفسه، وحين يسأل عن الحقيقة يُتهم بأنه يسيء إلى المقدسات.

وهكذا تُسرق حرية العقل باسم الدين، وتُصادر إرادة الإنسان باسم الطاعة، ويصبح الخلط بين النص المقدس وفهم البشر للنص باباً واسعاً للاستبداد.

ليس الدين هو الذي يحتاج إلى حماية من السؤال؛ وإنما الفهم البشري للدين هو الذي يحتاج دائماً إلى النقد والمراجعة.

لصوص الدين أخطر من خصومه

إن الذين يتاجرون بالدين لا يسرقون أموال الناس فقط؛ إنهم قد يسرقون منهم قدرتهم على التفكير. فالسارق العادي يأخذ مالاً من صاحبه، أما من يجعل الدين وسيلة لمصلحته فإنه قد يأخذ من الناس عقولهم وضمائرهم، ويجعلهم يخلطون بين الطاعة للحق والطاعة للأشخاص، وبين احترام المقدس والخضوع لمن يدّعي الحديث باسمه.

والخطر لا يكمن فقط في رجل الدين الذي يستغل الدين، وإنما في المجتمع الذي يسمح له بذلك. فالعقل الذي يكتفي بالمظهر، ويبحث عن إجابة جاهزة، ويخشى السؤال، ويقيس الحق بكثرة الأتباع، ويظن أن ارتفاع الصوت دليل على قوة الحجة، يصبح بيئة خصبة لكل من يريد أن يجعل الدين سلماً إلى السلطة أو المال أو النفوذ.

ومن هنا تبدأ مسؤولية العامة: أن يتعلموا أن الدين ليس شخصاً، وأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن السؤال ليس كفراً، وأن العقل ليس عدواً للإيمان.

أين نحن من الصدق؟

لو أردنا أن نختبر حقيقة التدين في مجتمع ما، فلنبدأ من أبسط الأشياء.

هل يصدق الناس في معاملاتهم؟ هل يوفون بالعهد؟ هل يؤدون الأمانات؟ هل يتوقف القوي عن ظلم الضعيف؟ هل يجد الفقير حقه؟ هل تُحفظ كرامة الإنسان؟

هل يتساوى الناس أمام القانون؟ هل يمنع الدين صاحبه من أكل مال غيره؟ هل تمنعه صلاته من الكذب؟ هل يمنعه صيامه من العدوان؟ هل تمنعه قراءته للقرآن من احتقار الإنسان؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة الدين في المجتمع أكثر من كثرة الشعارات.

فالله لا يحتاج إلى تكثير المظاهر الدينية بقدر ما يحتاج الإنسان إلى أن يتحول بالدين إلى إنسان أفضل.

العدالة هي الامتحان الأصعب

من السهل أن تتحدث عن الدين حين تكون في موضع الواعظ، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يصبح الحق ضد مصلحتك. أن تكون عادلاً مع خصمك أصعب من أن تتحدث عن العدالة. أن ترد مالاً ليس لك أصعب من أن تتحدث عن الأمانة. أن تقول الحقيقة حين تضر بك أصعب من أن تدعو إلى الصدق. أن ترفض الظلم حين يقع على من لا تحب أصعب من أن تندد به حين يقع عليك. ولهذا فإن الدين الحقيقي لا يظهر فقط في لحظة الخلوة، وإنما يظهر بصورة أوضح في لحظة تعارض الحق مع المصلحة. وهناك تحديداً يُختبر الإنسان. فإذا اختار الحق حين يخسره، والعدل حين يضره، والصدق حين يكلفه، فقد بدأ الدين يتحول من شعار إلى حياة. أما أن ينتصر الإنسان لنفسه ثم يبحث عن نص ديني يبرر انتصاره، فذلك ليس بحثاً عن الحق، وإنما بحث عن غطاء للهوى.

من أخطر مظاهر الأزمة: احتكار الحياة

حين تتحول السلطة والثروة والتعليم والعلاج والفرص إلى امتيازات محتكرة لفئة محددة، ثم تُستدعى الشعارات الدينية لتبرير ذلك، فإن المشكلة لم تعد مجرد تناقض أخلاقي؛ إنها تصبح تشويهاً لمفهوم الدين نفسه. فكيف يستقيم الحديث عن الرحمة مع إذلال المحتاج؟ وكيف يستقيم الحديث عن العدالة مع احتكار الثروة؟ وكيف يستقيم الحديث عن الأخوة مع العنصرية؟

وكيف يستقيم الحديث عن الأمانة مع نهب المال العام؟ وكيف يستقيم الحديث عن الشورى مع الاستبداد؟

إن استدعاء النصوص لتغطية الظلم لا يجعل الظلم ديناً، كما أن كثرة التكبير والتهليل لا تجعل الباطل حقاً. والحق لا يصبح حقاً لأن أصواتاً كثيرة رددته، والباطل لا يصبح حقاً لأن صاحبه أكثر من الاستشهاد بالنصوص.

الرسالة المحمدية ليست زينة اجتماعية

إن الرسالة المحمدية، في جوهرها، ليست مشروعاً لإنتاج مجتمع كثير المظاهر قليل الجوهر، وإنما هي دعوة إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل حتى يصبح قادراً على إقامة حياة إنسانية قائمة على الحق والرحمة والعدل والحرية والمسؤولية. ولهذا لا يمكن اختزال الرسالة في شكل اللباس، أو طول اللحية، أو كثرة الكلام عن الدين، أو حفظ النصوص دون تحويلها إلى واقع. النص الذي لا يوقظ الضمير يبقى في حدود اللسان. والعلم الذي لا يغير السلوك يتحول إلى حجة على صاحبه. والعبادة التي لا تهذب النفس قد تتحول إلى مجرد عادة. والتقوى التي لا تمنع الظلم ليست التقوى التي يحتاجها الناس في حياتهم.

الدين يبدأ حين تنتهي العادة

ربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا: هل نعبد الله لأننا اخترنا الحق، أم لأننا ورثنا العادة؟ هل نصلي لأن الصلاة تغيرنا، أم لأن تركها سيجعل المجتمع يحكم علينا؟ هل نصوم لأن الصيام يربينا على التقوى، أم لأن الجميع يصوم؟ هل نتحدث عن الدين لأننا نبحث عن الحقيقة، أم لأن الحديث عن الدين يمنحنا مكانة اجتماعية؟ هل نريد تطبيق الدين لأننا نريد العدل، أم لأننا نريد سلطة باسم الدين؟

هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الانتقال من التدين الموروث إلى الوعي الديني الحي. فالعادة يمكن أن تستمر مئات السنين دون أن تغير الإنسان. أما العبادة الحقيقية فلا بد أن تغيره.

ما نحتاجه ليس مزيداً من الضجيج

لسنا بحاجة إلى مزيد من الصراخ والعويل، ولا إلى مزيد من الخصومات حول المظاهر، ولا إلى تحويل الدين إلى ساحة لتصنيف الناس وتوزيع صكوك الإيمان والكفر والصلاح والفساد. نحن بحاجة إلى دين يعود إلى وظيفته الأولى: أن يبني الإنسان. نحتاج إلى صلاة تجعل صاحبها أكثر صدقاً. وصيام يجعله أكثر رحمة. وزكاة تجعله أكثر إحساساً بالفقراء. وعلم يجعله أكثر تواضعاً. وإيمان يجعله أكثر حرصاً على حقوق الآخرين. ونصوصاً تتحول إلى أخلاق. وشعائر تتحول إلى سلوك. وعقيدة تتحول إلى حياة.

إن المجتمع لا يصلحه أن يكون أفراده متشابهين في المظهر، وإنما يصلحه أن يصبحوا أكثر صدقاً وعدلاً ورحمة وأمانة.

فالدين ليس ديكوراً يزين وجه الحياة، ولا ثوباً يستر عيوبها، ولا شعاراً يُرفع فوق الخراب.

الدين حياة أو لا يكون.

والعبادة التي لا تُثمر خلقاً وعدلاً وحرية ومسؤولية تظل محبوسة في حدود العادة، مهما كثرت صورها، وتعالت أصواتها، وتكاثرت مظاهرها. أما جوهر الرسالة فهو أن يخرج الإنسان من عبودية الهوى والخوف والمصلحة إلى رحاب الحق؛ وأن يصبح ضميره حياً، وعقله يقظاً، ويده أمينة، ولسانه صادقاً، وقلبه رحيماً، وعدله شاملاً لنفسه ولغيره.

عندها فقط لا يعود الدين شيئاً نقوله في المساجد، وإنما يصبح شيئاً نراه في الشارع، وفي السوق، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي المحكمة، وفي إدارة الدولة، وفي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

وهناك، في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر صدق العبادة من زيفها، وصدق التدين من مظهره، وصدق الإنسان مع الله من صدقه مع خلق الله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.