في المشهد السوداني المضطرب، حيث تبدلت التحالفات وتداخلت الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، يتحرك مني أركو مناوي بين أكثر من مساحة: حاكم لإقليم دارفور، وقائد حركة مسلحة سابقة، وحليف للقوات المسلحة السودانية في الحرب الدائرة، وشخصية سياسية تحاول الحفاظ على موقعها في معادلة تتغير بسرعة.
خلال الأشهر الأخيرة، اتسعت تحركات مناوي الإقليمية، فشملت إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان. والعنوان المعلن لهذه الزيارات هو البحث عن مخرج للحرب ودعم جهود السلام. لكن كثافة الحضور في عواصم الجوار، في مقابل ابتعاد الرجل عن إقليمه، تفتح سؤالاً آخر أكثر حساسية: هل يتحرك مناوي لتعزيز موقعه داخل السودان، أم أنه يبني، بصورة تدريجية، شبكة أمان سياسية خارج حدوده؟
لا توجد إجابة معلنة عن ذلك، وربما يكون من المبكر الحديث عن «وطن بديل». لكن قراءة مسار الرجل خلال السنوات الأخيرة تكشف أنه يتصرف على أساس أن مستقبل السودان مفتوح على احتمالات متعددة، وأن عليه أن يحتفظ لنفسه بأكثر من باب.
جولة إقليمية تحت عنوان السلام
في 10 أغسطس (آب) 2026، وصل مناوي إلى جوبا في زيارة رسمية التقى خلالها الرئيس سلفاكير ميارديت ومستشاره للشؤون الأمنية توت قلواك. وقدم مناوي جولته في دول الجوار باعتبارها جزءاً من مسؤوليته الوطنية والسياسية تجاه الأزمة السودانية، مؤكداً أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار سوداني ـ سوداني.
هذا الخطاب يبدو منسجماً مع موقعه السياسي، لكن توقيت الجولة واتساعها يفرضان أسئلة تتجاوز عناوينها الرسمية.
فحاكم إقليم دارفور لا يتحرك اليوم من مركز الإقليم الذي يتولى إدارته، بل من بورتسودان، بينما يجري جزء مهم من نشاطه السياسي في عواصم دول الجوار. كما أن اختياره أوغندا لزيارة جديدة يكتسب دلالة خاصة، بالنظر إلى استقبال الرئيس يوري موسيفيني قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» في عنتيبي، وهو الاستقبال الذي سبق أن أثار انتقادات حادة من مناوي نفسه.
كان مناوي قد اعتبر في حينه أن استقبال حميدتي يحمل دلالة سياسية تتجاوز البروتوكول، ويمكن أن يُفهم باعتباره قبولاً ضمنياً باستمرار المسار الذي قاد إلى الحرب.
لذلك، فإن عودته إلى كامبالا بعد ذلك تطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة البراغماتية السياسية التي تحكم تحركاته: هل تتقدم ضرورات النفوذ الإقليمي على الخلافات السابقة، أم أن الرجل يحاول ببساطة ألا يترك أي عاصمة مؤثرة خارج حساباته؟
حاكم بلا إقليم
المفارقة الأكبر في وضع مناوي أن المنصب الذي يفترض أن يمنحه ثقلاً سياسياً وميدانياً حاكم إقليم دارفور لا يقترن اليوم بسيطرة فعلية ومستقرة على الإقليم.
فالحرب أعادت رسم خريطة النفوذ في دارفور، وأضعفت قدرة الأطراف السياسية على ممارسة أدوارها من داخل الإقليم. وفي المقابل، وجد مناوي نفسه في بورتسودان، بعيداً جغرافياً وسياسياً عن دارفور، في وقت تتداخل فيه السيطرة العسكرية مع النفوذ القبلي والسياسي بصورة غير مسبوقة.
ولم يخف مناوي استياءه من استبعاده من بعض الترتيبات المتعلقة بوقف إطلاق النار والمسار السياسي، رغم موقعه الرسمي بوصفه حاكماً للإقليم.
هذه المفارقة تختصر جانباً مهماً من أزمته: مناوي يحمل صفة حاكم إقليم، لكنه لا يملك اليوم المساحة الجغرافية والسياسية التي تجعل هذه الصفة مصدراً مستقلاً للقوة.
من الهامش إلى الحرب
لم يكن دخول مناوي الحرب إلى جانب القوات المسلحة قراراً أيديولوجياً خالصاً، بقدر ما كان أيضاً حساباً سياسياً يتعلق بمستقبل موقعه في دارفور.
فمع اتساع نفوذ قوات الدعم السريع في الإقليم، كان بقاء مناوي خارج الحرب يحمل مخاطرة كبيرة. وكان عليه أن يختار بين موقع قد يصبح هامشياً في حال استقرار سيطرة الدعم السريع على دارفور، وبين الانحياز إلى الجيش والحفاظ على موطئ قدم في ترتيبات السودان بعد الحرب.
اختار الخيار الثاني.
لكن هذا الخيار لم يضمن له بالضرورة الموقع الذي كان يتطلع إليه. فمع مرور الوقت، ظهرت انتقادات لأداء القوات التابعة له، وترددت تقديرات بوجود تململ داخل بعض دوائر المؤسسة العسكرية من مستوى الفاعلية التي حققتها هذه القوات مقارنة بحجم الدعم الذي حصلت عليه.
وإذا صحت هذه التقديرات، فإن المشكلة بالنسبة إلى مناوي لا تتعلق فقط بالميدان، بل بمستقبله السياسي أيضاً. ففي السودان الذي قد يتشكل بعد الحرب، ستكون قيمة أي فاعل مرتبطة بقدرته على امتلاك أوراق تفاوضية حقيقية، سواء كانت عسكرية أو شعبية أو إقليمية.
بين الداخل والخارج
هنا تكتسب تحركات مناوي الاقتصادية والعقارية خارج دارفور أهمية سياسية، وإن كان من الضروري التعامل معها بحذر.
تحدثت تقارير سابقة عن استثمارات مرتبطة بمناوي في مجالات الصرافة والمصانع والعقارات في دول من بينها كينيا وأوغندا والإمارات والولايات المتحدة. كما أثار نشاط عناصر من حركة تحرير السودان في شراء منازل وأراضٍ زراعية في القضارف جدلاً محلياً.
لكن وجود استثمارات أو نشاط اقتصادي خارج السودان لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات أن الرجل يخطط لمغادرة البلاد أو البحث عن «وطن بديل». الربط بين الأمرين يحتاج إلى أدلة أكثر مباشرة.
مع ذلك، فإن اجتماع ثلاثة عناصر في الوقت نفسه يستحق التوقف عنده: استثمارات خارجية، إقامة سياسية بعيدة عن الإقليم، وتحرك دبلوماسي متزايد في دول الجوار.
هذه العناصر لا تثبت وجود خطة للرحيل، لكنها تشير إلى سلوك سياسي يقوم على توزيع المخاطر وبناء البدائل.
وفي السياسة، لا يحتاج المرء دائماً إلى إعلان خطته النهائية حتى يمكن قراءة اتجاه تحركاته.
حين تصبح الهوية ورقة سياسية
يحمل خطاب مناوي بشأن أفريقيا بعداً آخر يستحق التأمل.
ففي أعقاب استقبال موسيفيني لحميدتي، انتقد مناوي ما وصفه بالصمت الأفريقي تجاه الانتهاكات في السودان. وفي الوقت نفسه، عاد لاحقاً إلى العاصمة الأوغندية في إطار تحركه الإقليمي.
قد يبدو ذلك تناقضاً، لكنه قد يكون في الحقيقة تعبيراً عن قاعدة أكثر واقعية في السياسة: الخصومة السياسية لا تلغي الحاجة إلى التواصل مع الخصوم أو مع الدول التي تمتلك تأثيراً في ملف الأزمة.
كما أن خطاب الهوية الأفريقية، الذي أصبح حاضراً بصورة متزايدة في خطاب عدد من الفاعلين السودانيين، يمكن أن يتحول من مجرد تعبير هوياتي إلى أداة لبناء علاقات إقليمية.
ومناوي، القادم من بيئة دارفورية ذات ارتباط عميق بالمجال الأفريقي، يمتلك مؤهلات طبيعية لاستخدام هذا الخطاب في مخاطبة دول الجوار.
السؤال ليس ما إذا كان الرجل «أفريقياً» أو غير ذلك؛ فهذا نقاش مختلف. السؤال السياسي هو: إلى أي مدى يتحول الخطاب الأفريقي إلى جزء من استراتيجية مناوي لإعادة بناء نفوذه خارج المؤسسات السودانية المركزية؟
تجربة قديمة تتكرر
ليست فكرة البحث عن مساحة سياسية خارج الخرطوم جديدة تماماً في مسيرة مناوي.
في عام 2010، وبعد انتهاء فترة عمله مساعداً للرئيس، غادر الخرطوم إلى جوبا، معلناً أن اتفاق أبوجا للسلام في دارفور أصبح، في نظره، بلا مستقبل.
كان السودان آنذاك دولة واحدة رغم أزماتها، وكانت هوامش الحركة السياسية أوسع بكثير مما هي عليه اليوم.
أما السودان الحالي، فقد دخل مرحلة مختلفة تماماً: حرب مفتوحة، مراكز قوة متعددة، حدود إقليمية تتفاعل مع الصراع، واقتصاد سياسي جديد تحكمه شبكات المصالح والتحالفات.
لذلك، فإن تجربة مناوي السابقة تجعل تحركاته الحالية جديرة بالقراءة، ليس باعتبارها دليلاً على نية مغادرة السودان، وإنما باعتبارها مؤشراً إلى أن الرجل يدرك مبكراً أهمية امتلاك مساحة حركة خارج المركز.
ماذا يريد مناوي؟
ربما تكون القراءة الأبسط هي أن مناوي يبحث عن «وطن بديل». لكن القراءة الأكثر واقعية قد تكون مختلفة.
مناوي سياسي يعرف أن الحرب لن تُحسم عسكرياً وحده، وأن ترتيبات ما بعد الحرب ستتقرر عبر التفاوض بقدر ما ستتقرر في الميدان. ولذلك، فإن بناء العلاقات مع جوبا وكمبالا وأديس أبابا وغيرها ليس بالضرورة مشروع خروج، بل يمكن أن يكون مشروع حماية للمستقبل السياسي.
المشكلة أن هذه الاستراتيجية تصبح أكثر كلفة كلما تراجع الوزن الداخلي للرجل.
فإذا كانت قواته لا تمنحه القوة العسكرية التي يحتاج إليها، وإذا كان موقعه السياسي داخل المعسكر المؤيد للجيش لا يضمن له دوراً مستقلاً، وإذا ظل بعيداً عن دارفور، فإن التحرك الخارجي يصبح بالنسبة إليه ضرورة، لا ترفاً.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جولاته الإقليمية باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج نفسه سياسياً: من قائد حركة مسلحة إلى حاكم إقليم، ومن حاكم إقليم بعيد عن إقليمه إلى لاعب يحاول اكتساب وزن إقليمي.
ليس وطناً بديلاً بالضرورة
لا يوجد، حتى الآن، ما يكفي للقول إن مني أركو مناوي يبحث فعلياً عن وطن بديل.
لكن توجد مؤشرات على أنه يبني خيارات بديلة.
والفرق بين الأمرين مهم.
الوطن البديل قرار نهائي، أما الخيارات البديلة فهي شبكة أمان. قد يحتاج إليها السياسي إذا تغيرت موازين القوة، أو إذا انتهت الحرب إلى تسوية لا تمنحه الموقع الذي يريده، أو إذا أصبح وجوده داخل السودان أكثر صعوبة.
لهذا، ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل يبحث مناوي عن وطن بديل؟
بل: هل يستعد مناوي لاحتمال ألا يكون له مكان مضمون في السودان الذي ستنتجه الحرب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن جولاته الخارجية واستثماراته وعلاقاته الإقليمية لا تبدو خطوات منفصلة، بل أجزاء من استراتيجية واحدة عنوانها الاحتفاظ بالقدرة على المناورة.
وفي بلد أنهكته الحرب، لا يستطيع أحد أن يضمن لنفسه مكاناً في المستقبل. وربما يكون مناوي، بحكم تجربته الطويلة، أكثر إدراكاً من غيره لهذه الحقيقة.
ويبقى السؤال الأعمق، والأكثر إيلاماً: هل يبحث مناوي عن بديل للسودان، أم أن السودان الذي مزقته الحرب يدفع أبناءه، واحداً بعد الآخر، إلى البحث عن بدائل لأنفسهم؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أقل ارتباطاً بمصير مناوي وحده، وأكثر ارتباطاً بمصير الدولة السودانية نفسها.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.