إن حوار الطرشان الذي يقيمه البرهان لا ليبحث عن الحقيقة، وإنما ليبحث عن التفويض!
وهنا يبدأ الاختلاف. فالذين يمدحون دعوة البرهان للحوار يرون فيها انتصاراً سياسياً، والذين يقدحون فيها يرونها مناورة جديدة لإعادة إنتاج سلطة الحرب. أما أنا فأراها من زاوية ثالثة أكثر إثارة للسخرية: أظن أن الحوار الذي يدعو إليه البرهان قد يكون من أكثر الأشياء التي ستضيق عليه الخناق، وتبدد حلمه بحكم السودان. فالبرهان، في تقديري، لم ينتبه إلى أخطر ما في الحوار. لقد ظن أنه يستطيع أن يفتح باباً للحوار ثم يظل واقفاً خلف الباب ممسكاً بالمفتاح وربما بالعصى الغليظة. لكن المشكلة أن الحوار، إذا بدأ فعلاً، لا يعود ملكاً للبرهان ولن يخشى عصاه. وهذه هي الحفرة التي وقع فيها البرهان برجليه.
ان هذا الحوار “المنلوج”
مع كل عيوبه، لن يستطيع إسكات الأسئلة المتحفزة. فانظروا إلى بيان اللجنة. اللجنة تقول إنها لا تدعي تمثيلاً ولا تفويضاً، وإنها مجرد لجنة للتهيئة والتيسير والتشاور. فماذا يعني ذلك عملياً؟ يعني أنهم يتراجعون خطوات الى الوراء لشعورهم بان موضوعهم قد (شرب). ولكي يقوموا بالدور الذي أعلنوه، لا بد أن يسمعوا من السودانيين. ومن السياسيين والمدنيين والمجتمعيين. ومن مؤيدي الحرب ومن معارضيها. وسيسمعون من الذين يريدون بقاء البرهان ومن الذين يريدون ذهابه. ومن الذين يرون الجيش مؤسسة وطنية، ومن الذين يرون أن المؤسسة العسكرية قد اختطفتها جماعة سياسية. وسيسمعون عن المعتقلين. وعن القتلى. وعن النازحين. وعن المفقودين. وعن الانتهاكات. وعن الدولة التي انهارت. وعن الإسلاميين الذين عادوا إلى واجهة المشهد. وعن الحرب ومن أشعلها ومن أطال أمدها ومن استفاد منها. وسيسمعون، قبل كل شيء، ما لا يريد البرهان أن يسمعه. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.
هؤلاء الذين قالوا إنهم ليسوا محاورين وإنما «يمهدون ويهيئون أرضية الحوار» قد يصبحون، من حيث لا يريدون، أخطر كاشف سياسي لما يجري داخل السودان. لأنهم لن يستطيعوا أن يقولوا للناس: نحن لا نريد أن نسمعكم. بل مهمتهم أن يسمعوهم! البرهان يريد حواراً… لكن الحوار يريد حرية. والمضحك أكثر أن البيان نفسه وضع البرهان أمام شروط لا يستطيع، إذا كان جاداً في الحوار، أن يتجاهلها بسهولة. وقف البلاغات. وضمان حصانة إجرائية للمشاركين. وعدم ملاحقة الناس بسبب آرائهم. وتهيئة مناخ من الحريات. ومنع استخدام سلطة الدولة للتأثير على مخرجات الحوار. هذه ليست تفاصيل هامشية.
هذه هي روح الحوار. فإذا قبل بها البرهان، فقد فتح نافذة من الحريات لا يستطيع التحكم في اتجاه الريح التي ستدخل منها. وإذا رفضها، فقد قال للسودانيين عملياً: «أنا أريد منكم أن تتحاوروا، ولكن بشرطي، وبالصوت الذي أريده، وفي السقف الذي أحدده، وبالنتيجة التي لا تغضبني.» وهذا ليس حواراً. هذا اجتماع استماع طويل بلا سماع! وهنا يصبح السؤال: من الذي استدرج من؟ فهل استدرج البرهان السودانيين إلى حوار يريد به أن ينتزع منهم التفويض؟ أم أن السودانيين هم الذين استدرجوا البرهان إلى حوار سيضطر فيه إلى كشف ما ظل يحاول إخفاءه؟ أنا أميل إلى الثانية.
الحوار سوف يظهر الكثيرين «عراة كما خلقهم الله»! فالذين سيجلسون في هذا الحوار، مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم، لن يستطيعوا أن يظلوا طوال الوقت في منطقة الكلام العام. سيأتي وقت لا بد فيه أن يسألوا: من بدأ الحرب؟ لماذا اندلعت؟ ولماذا فشلت كل فرص إيقافها؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ وما مستقبل المؤسسة العسكرية؟ وما مستقبل القوى السياسية؟ وما موقع الإسلاميين؟ وما مصير الديمقراطية؟ ومن يحكم السودان؟ وهل يحكمه الجيش؟ أم تحكمه الأحزاب؟ أم تحكمه تحالفات الحرب؟ أم يعود الأمر إلى الشعب؟ وهنا، يا سادة، تبدأ «المشكلة». لأن جماعة البرهان التي ظلت تقدم نفسها للشعب باعتبارها حامية الوطن والمدافعة عن الشعب ستجد نفسها مطالبة بالإجابة عن أسئلة الشعب. وليس هناك شيء أخطر على خطاب سياسي من أن يُجبر على الانتقال من الشعارات إلى الإجابات. قد يستطيع السياسي أن ينجو من السؤال إذا منع السؤال. لكنه يجد صعوبة بالغة في النجاة منه إذا وافق على أن يكون السؤال مشروعاً! وهذا هو الفخ. والذين سيدخلون الحوار وهم يريدون إثبات وطنيتهم سوف يسقطون في امتحان الوطنية حتى القاع. وأكثر ما أراهن عليه في هذه القصة أن الذين يقودون التهيئة للحوار سيحاولون، بصورة طبيعية، إثبات أنهم وطنيون، مستقلون، صادقون، وأنهم لا يعملون لحساب البرهان ولا لحساب خصومه. ولكي يثبتوا ذلك، سيضطرون إلى أن يكونوا أكثر جرأة. وكلما زادت جرأتهم، ضاقت مساحة المناورة أمام البرهان. وكلما اتسعت مساحة الحديث، خرجت إلى السطح قضايا كانت مدفونة تحت ركام الحرب. وكلما خرجت القضايا، اضطر الناس إلى اتخاذ مواقف منها. وكلما اتخذ الناس مواقفهم، أصبح من الصعب إعادة الجميع إلى الصمت القديم. وهنا تحديداً يصبح الحوار وبالاً على من دعا إليه. فالحوار لا ينتج فقط اتفاقات. الحوار ينتج أيضاً أسئلة. وأحياناً تكون الأسئلة أخطر من الإجابات. ولا أحد سيمنح البرهان التفويض الذي يحلم به. وأن حلم البرهان بالحصول على تفويض سياسي من خلال هذا الحوار، سوف يصبح أكثر أجزاء المشروع هشاشة.
فأي حوار «كيزاني–كيزاني»، أو حوار تدور غالبية مفاتيحه داخل الدائرة التي أنتجت الحرب السياسية نفسها، لن يستطيع إقناع الشعب السوداني بأن أحداً قد مُنح تفويضاً مفتوحاً ليحكمه. فالشعب السوداني ليس ورقة بيضاء. وهو، بعد هذه الحرب، أكثر شكاً وأقل استعداداً لتسليم مصيره لأي شخص يحمل شعاراً وطنياً، سواء كان عسكرياً أو مدنياً. ثم إن التفويض لا يُمنح بالتصفيق في قاعة. التفويض الحقيقي يأتي من الشعب، عبر عملية سياسية حرة، لا عبر ترتيبات فوقية تصنعها السلطة ثم تطلب من الناس مباركتها. وهذه النقطة وحدها كافية لإرباك المشروع كله.
قد يفشل الحوار في الوصول إلى شيء. وهذا محتمل. لكن فشله لا يعني أنه سيكون بلا أثر. بل ربما يكون فشله هو أخطر نتائجه. لأن الحوار، حتى إذا لم ينتج اتفاقاً، يمكن أن يخرق السفينة السياسية التي تحمل حكومة البرهان. وما أخشاه على جماعة البرهان ليس أن يخرج الحوار بتفويض لخصومهم. بل أن يخرج الحوار بكشف ما ظلوا يحاولون إخفاءه. عندها لن تكون المشكلة في نتائج الحوار. ستكون المشكلة في الأسئلة التي فتحها. وفي الأفكار التي طُرحت. وفي الشهادات التي قيلت. وفي المواقف التي اتخذها الناس. وفي الحريات التي كان لا بد أن تُتاح لكي ينجح الحوار. وفي تلك اللحظة ستجد السلطة نفسها تفعل ما اعتادت فعله: تحاول سد الخرق. لكن بعض الثقوب لا تُسد بالمسامير. وبعض الشروخ، إذا دخلتها الريح، لا تعود إلى ما كانت عليه. وقد يصبح الأمر، كما يقول أهلنا في السودان في وصف الشيء الذي لا يمكن إصلاحه بسهولة: «كأنها شملة بت كنيز؛ هي ثلاثية وقدّها رباعي!». لأن الحوار الحقيقي لا يمنح أحداً صك البراءة، ولا يمنح أحداً صك الحكم. إنه فقط يضع الجميع أمام المرآة. وهنا تكمن المشكلة. والبرهان قد يكون قد فتح باباً لم ينتبه إلى ما وراءه. فإنه يريد أن يستخدم الحوار لكي يطلب من السودانيين التفويض. لكن الحوار قد يطلب منه هو، أولاً، أن يقدم كشف حساب. إنه يريد أن يحشر الآخرين في زاوية القبول به. فإذا به قد يجد نفسه محشوراً في زاوية أضيق: لماذا فعلتم ما فعلتم؟ ولماذا طال أمد الحرب؟ ولماذا لم تقبلوا كذا؟ ولماذا رفضتم كذا؟ ومن فوضكم؟ ومن أعطاكم حق الحديث باسم الشعب؟ ومن قال إن الشعب يريد أن يحكمه العسكر؟ ومن قال إن الحرب تمنح أحداً شرعية سياسية؟ هذه الأسئلة هي التي أخشى أن تكون قد دخلت القاعة قبل أن يدخل إليها المتحاورون.
البرهان يريد حواراً يسمع فيه ما يريد، ويمنع فيه ما لا يريد، ثم يخرج منه بالتفويض الذي يحلم به، فليسمح لي أن أقول له: لقد أخطأت الحساب. فالحوار ليس بندقية.
ولا دبابة. ولا بياناً عسكرياً. ولا منصة خطاب. الحوار كائن عجيب؛ تفتح له الباب، ثم لا تعرف من أين يدخل، ولا أين يستقر، ولا من الذي سيخرج منه منتصراً. وقد يكون أكبر خطأ سياسي ارتكبه البرهان أنه ظن أن الحوار أداة في يده. إن دعوة البرهان للحوار أخطر من انقلاب ٢٥ اكتوبر، بل أخطر من اعلان حرب الكيزان. ولن يكون حواره الطريق إلى التفويض الذي بحلم به، وإنما كانت الطريق التي ضاقت عليه شيئاً فشيئاً حتى صار لا يملك إلا أن يسأل: من الذي نصحني بفتح هذا الباب؟ وعندها قد يلعن اليوم الذي فكر فيه في الحوار… لا لأن الحوار سيئ. بل لأنه، لأول مرة، سمح للسودانيين بأن يتكلموا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.