حين يسرق الجار جاره (1 ـ 6 )

هشام محمد شريف

حين تدخل الحرب إلى الإنسان.
ليست أخطر نتائج الحروب أن تسقط المدن، أو تحترق الأسواق، أو تنهار المباني. الأخطر أن تتسلل الحرب إلى الإنسان نفسه، فتغيّر نظرته إلى جاره، وإلى المال، وإلى الدم، وإلى معنى الأمانة والرحمة والعار.
فحين يصبح نهب بيت الجار أمراً يمكن تبريره، وحين يتحول قتل الإنسان إلى خبر عابر، وحين يصبح الخوف سبباً للصمت، والصمت طريقاً إلى التعايش مع الجريمة، فإن الحرب تكون قد تجاوزت ميادين القتال ودخلت إلى عمق المجتمع
الى منظومة القيم والاخلاق
وهنا يبرز السؤال الكبير في سودان اليوم:
هل نحن أمام تراجع أخلاقي مؤقت فرضته الحرب، أم أمام تحول عميق قد يعيد تشكيل شخصية المجتمع السوداني وأخلاق أجياله القادمة إذا استمرت الحرب؟
لفترات طويلة، ارتبطت صورة المجتمع السوداني بقيم الجيرة، والنجدة، والتكافل، والمروءة، واحترام الكبير، وحماية الضعيف، والتداخل الأسري والاجتماعي.
كانت «الفزعة» أكثر من مجرد استجابة طارئة؛ كانت تعبيراً عن اعتقاد راسخ بأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وأن مصيبة الجار تعني شيئاً للجميع.
لكن الحرب الطويلة تضع هذه القيم تحت ضغط غير مسبوق.
فالجوع يجعل الممتلكات أكثر إغراءً، والخوف يجعل الإنسان أكثر انكفاءً على نفسه، والنزوح يقطع علاقات عمرها عقود، وانهيار مؤسسات الدولة يضعف القانون الذي كان يفصل بين ما هو مباح وما هو محرّم.
ومع تكرار الانتهاكات، يحدث أخطر شيء: تتغير عتبة الاعتياد.
ما كان صادماً بالأمس يصبح قابلاً للنقاش اليوم، ثم يصبح مألوفاً غداً.
وهنا تبدأ القصة الأخطر؛ لأن الانهيار الأخلاقي لا يأتي دائماً في صورة جريمة كبيرة ومفاجئة، بل قد يبدأ بخطوة صغيرة: شخص يرى جريمة ولا يتدخل، ثم شخص يبررها، ثم آخر يستفيد منها، حتى يصبح ما كان مستنكراً جزءاً من المشهد اليومي.
ما شهدته النهود من عمليات نهب وتجريد للبيوت من محتوياتها ومكوناتها ليس ظاهرة يمكن عزلها عن السياق الأوسع للحرب.
صور ومشاهد مشابهة للنهب والتعدي على الممتلكات ظهرت، في مراحل مختلفة من الحرب، في الخرطوم والجزيرة، بما فيها مدني، وفي سنجة والدندر ومناطق أخرى.
ولا تكمن أهمية هذه الوقائع في تحديد الطرف الذي ارتكب هذه الجريمة أو تلك؛ فذلك شأن آخر تتولاه التحقيقات وآليات العدالة.
الأهم هنا هو سؤال مختلف تماماً:
كيف وصل المجتمع إلى اللحظة التي يمكن فيها لإنسان أن يدخل بيت جاره، أو يستولي على ممتلكاته، أو يرى خراب حياته، ثم يمضي دون أن يشعر بأن شيئاً جوهرياً في داخله قد انكسر؟
هذه هي المسألة الأخلاقية التي تستحق التأمل.
فالحرب لا تختبر أخلاق المقاتلين وحدهم، وإنما تختبر أخلاق المجتمع المحيط بهم أيضاً.
وقد يتحول المدني، تحت ضغط الخوف والحاجة أو الإغراء، من شاهد على الفوضى إلى متعايش معها، وربما إلى مستفيد منها.
وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.
لكن كيف يحدث هذا الانهيار داخل وعي الإنسان؟ وكيف يستطيع المرء أن يقنع نفسه بأن ما كان يعتبره جريمة بالأمس أصبح اليوم ضرورة أو حقاً مكتسباً؟
الإجابة تبدأ من كلمة واحدة
التبرير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.