بينما يواجه السودانيون واحدة من أقسى موجات الغلاء وانهيار القدرة الشرائية منذ اندلاع الحرب، تُدفع إلى الواجهة حملة لترشيح قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لرئاسة الجمهورية، في خطوة تبدو، بالنسبة إلى منتقديها، منفصلة تماماً عن واقع بلد يطحنه الفقر والحرب وانهيار العملة وتدهور الخدمات.
الحملة التي أطلقتها ما تُعرف بـ«المبادرة الوطنية للشباب المستقل» من مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، قبل أن تمتد إلى بورتسودان والدامر ومدني، تأتي في توقيت بالغ الحساسية اقتصادياً وسياسياً؛ إذ لم يعد المواطن السوداني منشغلاً فقط بمن سيجلس في القصر الجمهوري، بل بكيفية توفير الخبز والدواء والغذاء في ظل الانهيار المتسارع للجنيه السوداني.
وفي أحدث مؤشرات الانهيار، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 7 آلاف جنيه سوداني، مسجلاً نحو 7100 جنيه في تداولات الثالث من سبتمبر، وسط ضغوط متزايدة على العملة والأسواق.
ولا يتوقف الأمر عند سوق الصرف، إذ انعكس ارتفاع الدولار مباشرةً على أسعار السلع الأساسية، لتتحول الأزمة الاقتصادية إلى فاتورة يومية يدفعها المواطن من قوته واحتياجات أسرته.
وفي الخرطوم، قفز سعر جوال الدقيق، زنة 25 كيلوغراماً، إلى نحو 108 آلاف جنيه، مقارنةً بـ85 ألفاً في وقت سابق، بزيادة تقارب 27%. كما ارتفع سعر جوال الدقيق في الجزيرة من 72 ألفاً إلى 95 ألف جنيه، بينما صعد في النيل الأبيض من 85 ألفاً إلى 103 آلاف جنيه.
أما الخبز، الذي يمثل الحد الأدنى من الغذاء لملايين السودانيين، فلم ينجُ من موجة الغلاء. فقد أعلن اتحاد المخابز بولاية الخرطوم رفع سعر قطعة الخبز إلى 500 جنيه اعتباراً من الرابع من سبتمبر، بعد ارتفاع سعر جوال الدقيق من 77 ألفاً إلى 108 آلاف جنيه، أي بزيادة تقارب 40%.
وفي أسواق الخرطوم، ارتفع سعر جركانة الزيت، سعة ثلاثة لترات، إلى نحو 45 ألف جنيه، بزيادة 6 آلاف جنيه، فيما بلغ سعر خمسة كيلوغرامات من السكر نحو 32,500 جنيه، أي ما يعادل 6,500 جنيه للكيلوغرام الواحد. كما تجاوز سعر كيلو اللبن البودرة 45 ألف جنيه، مقارنةً بـ36 ألفاً سابقاً.
هذه الأرقام تقدم صورة أكثر قسوة من أي خطاب سياسي: الدولار عند 7 آلاف جنيه، والرغيفة بـ500 جنيه، والدقيق يقفز بعشرات الآلاف خلال أسابيع. ومع ذلك، يأتي الحديث عن ترشيح قائد الجيش للرئاسة وكأن الأولوية الوطنية هي إعادة ترتيب السلطة، لا إنقاذ الاقتصاد أو وقف الحرب أو استعادة الخدمات الأساسية.
وأثارت الحملة، وفق ردود فعل متداولة، انتقادات شعبية حادة، إذ يرى مواطنون أن طرح مشروع رئاسي في ظل هذا الواقع يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي واحتياجات الناس اليومية.
وقال أحد المواطنين، رافضاً الحملة: «أدنى مقومات الحياة شبه معدومة، غلاء وفساد ومحسوبية وحروب وعدم كهرباء ونهب، الوضع العايشين فيهو السودانيين ده ما الوضع الطبيعي المفترض يعيشه الإنسان».
ولم يقتصر الرفض على المستوى الشعبي، إذ دخلت قوى سياسية معارضة على خط الانتقاد. واعتبر نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف «صمود»، خالد عمر يوسف، أن إطلاق حملة ترشيح البرهان يمثل «المشهد الأخير من الفيلم»، معتبراً أنها تقدم، من وجهة نظره، «إجابة شافية لسؤال حرب من هذه ولماذا؟».
وهاجم يوسف سجل البرهان السياسي، قائلاً إن الرجل «قاد تنفيذ خطة عناصر النظام البائد عبر انقلاب الجيش والدعم السريع»، مضيفاً أن سنوات قيادته شهدت، بحسب تعبيره، «حريق السودان بأكمله وتهديد وحدته وانتقاص سيادته وتشرد أهله في المنافي وانهيار اقتصاده».
واعتبر القيادي في «صمود» أن الحملة تكشف، في تقديره، عن طبيعة الصراع السياسي خلف الحرب، واصفاً إياها بأنها «ثورة مضادة ضد حلم أهل السودان بالحرية والسلام والعدالة».
وفي المقابل، يواصل أنصار الحملة الترويج لترشيح البرهان، حيث أعلن قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبو زيد، دعمه للمبادرة، بينما أعلنت المجموعة أنها تعتزم تدشين موقع إلكتروني وتطبيقاً عبر متجر «Google Play» لتجميع عضويتها.
لكن المفارقة السياسية تظل واضحة: في الوقت الذي تبحث فيه حملة الترشيح عن منصة انتخابية، يبحث المواطن عن سلعة بسعر يمكن تحمّله. فالأسعار لا تنتظر انتهاء الحرب، ولا تنتظر الانتخابات، ولا تعترف بالشعارات السياسية.
وإذا كان سعر الدولار قد تجاوز 7 آلاف جنيه، والدقيق يواصل الصعود، والرغيفة بلغت 500 جنيه، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المواطن ليس: من سيترشح للرئاسة؟ بل: من يتحمل مسؤولية هذا الانهيار، ومتى تتوقف الحرب التي دفعت الاقتصاد إلى هذا المصير؟
وهكذا تتحول حملة ترشيح البرهان من مجرد تحرك سياسي إلى اختبار جديد لمدى اتساع الفجوة بين السلطة والمواطن؛ فكلما ارتفعت الأسعار، وتهاوت قيمة الجنيه، وتراجعت الخدمات، أصبح طرح مشروع رئاسي لقائد الجيش أكثر عرضة لأن يُقرأ باعتباره معركة على السلطة، لا استجابة للأزمة التي يعيشها السودانيون.
في بلدٍ أنهكته الحرب وأحرق الغلاء ما تبقى من قدرة المواطنين على الاحتمال، لم تعد الأولوية لدى السودانيين سباقاً نحو القصر الجمهوري، بل معركة يومية من أجل الخبز والدواء والكهرباء والأمان. فالقصر يمكن أن ينتظر، أما المواطن فلم يعد يحتمل الانتظار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.