في الوقت الذي يحاول فيه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تقديم دعوته إلى حوار سوداني ـ سوداني باعتبارها مدخلاً للخروج من الأزمة، تبرز أسئلة متزايدة حول القوى التي تتحرك خلف هذا المسار، وما إذا كان الحوار المقترح يمثل بالفعل عملية سياسية مستقلة، أم أنه يمكن أن يتحول إلى بوابة لإعادة تموضع القوى المرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية.
وتأتي هذه التساؤلات في ظل تقارير صحفية ومصادر سياسية تحدثت عن تحركات لقيادات إسلامية، بينها الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي، بهدف إعادة بناء قنوات سياسية داخلية وخارجية واستكشاف فرص مشاركة التيار الإسلامي في ترتيبات ما بعد الحرب. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت أيضاً عن اتصالات خارجية مرتبطة بقيادات الحركة الإسلامية، إلا أن بعض هذه المعلومات بقيت في نطاق المصادر غير المعلنة ولم يصدر بشأنها تأكيد رسمي مستقل.
الحوار تحت المجهر
وكان البرهان قد أعلن في أغسطس الماضي دعمه لتوفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لعقد حوار وطني، وقال إن مجموعة مستقلة طرحت شروطاً لضمان مشاركة واسعة، وإنه وافق على تلك الضمانات.
لكن المبادرة واجهت اعتراضات من قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب. فقد رفضت قوى سودانية اجتمعت في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس المشاركة في مسار الحوار الذي طرحه البرهان، وقدمت بدلاً منه تصوراً لعملية سلام تقوم على مسارات إنسانية وعسكرية وسياسية متوازية.
وفي المقابل، برزت أصوات من داخل المعسكر الإسلامي نفسه تنتقد استبعاد المؤتمر الوطني من العملية السياسية. ونقلت تقارير عن القيادي بالمؤتمر الوطني حامد ممتاز رفضه مساواة الحزب بالقوى المتحالفة مع الدعم السريع، معتبراً أن إقصاءه من الحوار خطأ سياسي.
«الشخصيات الوطنية».. من يختارها ومن يحدد أجندتها؟ المعلومات المتداولة حول نشاط الحركة الإسلامية تضع أمام الحوار سؤالاً أكثر حساسية: هل تستطيع أي عملية سياسية أن تكون مستقلة إذا كانت القوى التي تسعى للعودة إلى السلطة تعمل في الوقت نفسه على إعادة تنظيم صفوفها خلف الكواليس؟
وتقول مصادر سياسية تحدثت إليها «عين الحقيقة» إن هناك محاولات للاستفادة من شخصيات وواجهات اجتماعية وسياسية لا تظهر بالضرورة باعتبارها ممثلة مباشرة للمؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية، لكنها قد تلتقي معها في الرؤية السياسية أو في هدف إعادة إدماج التيار الإسلامي في الحياة السياسية.
غير أن «عين الحقيقة» لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من جميع الأسماء أو الأدوار التي تتحدث عنها هذه المصادر، ولذلك لا يمكن الجزم بأن كل شخصية مشاركة في أي ترتيبات للحوار تمثل الحركة الإسلامية أو تعمل بتوجيه منها.
خبير سياسي: الاختبار في استقلال الحوار
وقال باحث سياسي سوداني تحدث لـ«عين الحقيقة»، طالباً عدم نشر اسمه، إن القضية الأساسية ليست في مشاركة الإسلاميين من عدمها، وإنما في طبيعة العملية السياسية نفسها. وأضاف: «إذا كان الحوار مستقلاً وشفافاً ويضع قواعد واضحة للمشاركة والمساءلة، فإن أي تيار سياسي يجب أن يخضع للقانون نفسه. المشكلة تبدأ عندما تتحول الشخصيات المستقلة إلى واجهات لقوى منظمة تمتلك أجندة مسبقة وتسعى إلى التحكم في النتائج». ويرى الباحث أن «أي حوار حقيقي يجب أن يبدأ من وقف الحرب وحماية المدنيين، لا من البحث عن صيغة لإعادة توزيع السلطة بين النخب».
مراقب: الإسلاميون يحاولون الخروج من العزلة
وقال مراقب للشأن السوداني لـ«عين الحقيقة» إن الحركة الإسلامية تواجه معضلة سياسية منذ سقوط نظام عمر البشير، تتمثل في صعوبة العودة إلى المشهد عبر اسمها القديم وشبكاتها المعروفة. وأضاف: «لهذا فإن إعادة التموضع عبر عناوين مثل الشخصيات الوطنية والحوار الشامل قد تكون أكثر فاعلية سياسياً من الظهور المباشر باسم المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية».
وأشار إلى أن تقارير دولية وإعلامية مختلفة رصدت خلال الأشهر الماضية استمرار نفوذ الإسلاميين داخل المعسكر العسكري، خصوصاً مع اعتماد قيادة الجيش على مجموعات إسلامية مسلحة في الحرب. وقد تناولت صحيفة «فايننشال تايمز» في مايو 2026 علاقة الجيش بكتائب إسلامية، مشيرة إلى أن ذلك يمثل تحدياً لمحاولات البرهان الحصول على شرعية دولية.
لا يمكن فصل السياسة عن الحرب
ويرى خبراء تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بمعزل عن ملف الحرب ستكون معرضة للفشل. فالمعضلة السودانية، بحسب أحد الباحثين، ليست مجرد خلاف حول من يشارك في مؤتمر سياسي، وإنما أزمة دولة كاملة: جيشان، سلاح منتشر، ملايين النازحين، انهيار اقتصادي، وانتهاكات واسعة تحتاج إلى العدالة والمساءلة.
وقال الباحث: «لا يمكن أن يكون الهدف من الحوار إعادة إنتاج القوى التي كانت جزءاً من الأزمة. المطلوب تأسيس قواعد جديدة تمنع أي تنظيم سياسي، أياً كانت هويته، من استخدام الدولة أو المؤسسة العسكرية كأداة للوصول إلى السلطة».
كرتي.. اسم حاضر في المشهد
ويبرز اسم علي كرتي في التقارير المتعلقة بإعادة تموضع الإسلاميين. فقد تحدثت تقارير إعلامية خلال الأشهر الماضية عن اتصالات خارجية وتحركات سياسية مرتبطة به وبقيادات أخرى في الحركة الإسلامية، بينما ظلت الحركة في بعض الحالات ملتزمة الصمت حيال تلك التقارير.
كما نشرت وسائل إعلام سودانية في الأول من سبتمبر تقارير تزعم وجود دور لكرتي وقيادات إسلامية في تحريك الحوار من خلف الستار. وهذه المزاعم، رغم تداولها إعلامياً، لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة تؤكد طبيعة هذا الدور ومداه.
وهنا تضع «عين الحقيقة» خطاً واضحاً بين المعلومة المثبتة وبين الاستنتاج السياسي: وجود تحركات ولقاءات مرتبطة بقيادات إسلامية أمر تناولته مصادر متعددة، لكن القول إن الحركة الإسلامية تتحكم فعلياً في كل تفاصيل الحوار أو تصوغ مخرجاته مسبقاً يحتاج إلى أدلة مباشرة.
ما الذي تريده الحركة الإسلامية؟
يرى مراقبون أن الهدف السياسي الأوسع قد يكون نقل الإسلاميين من خانة «المعزولين سياسياً» إلى خانة «طرف سياسي يجب التعامل معه».
وهذا التحول، إذا تحقق، سيكون مهماً للغاية بالنسبة إلى الحركة الإسلامية؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال مسؤولية النظام السابق عن الانقلاب وإجهاض الانتقال الديمقراطي إلى سؤال حق الإسلاميين في المشاركة السياسية مستقبلاً.
لكن المشاركة السياسية لا تعني ـ بحسب خبراء تحدثوا لـ«عين الحقيقة» ـ منح أي تنظيم حصانة من المساءلة.
فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي: المشاركة السياسية حق، والإفلات من العقاب ليس حقاً. الحوار الحقيقي يبدأ من هنا بالنسبة إلى «عين الحقيقة»، فإن الاختبار الحقيقي لحوار البرهان ليس عدد المشاركين فيه، ولا أسماء الشخصيات التي ستجلس إلى الطاولة، وإنما من يملك أجندته ومن يحدد نتائجه.
فإذا كان الحوار طريقاً لوقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية مدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس مهني، وضمان مشاركة السودانيين جميعاً وفق قواعد ديمقراطية، فإنه يستحق الدعم.
أما إذا تحول إلى آلية لإعادة تدوير النظام السابق، أو منح شرعية سياسية جديدة لقوى تستند إلى النفوذ العسكري والتنظيمي، فإن السودان لن يكون قد خرج من الأزمة؛ بل سيكون قد أعاد إنتاجها بأسماء وواجهات جديدة.
وفي بلد دفع ثمناً باهظاً بسبب تداخل التنظيم الحزبي مع مؤسسات الدولة، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: من سيعود إلى السلطة؟
بل: هل يستطيع السودان أن يبني دولة لا يستطيع أي تنظيم سياسي ـ إسلامياً كان أو غيره ـ اختطافها مرة أخرى؟
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.